نبـي
ضال قصيدة صوفية بنفس ملحمي
شعر
: بهـــاء الديـــن البطـــاح
قراءة
: أ. د. عبدالإلـه الصائــغ
منحت
نفسي وقتا مناسبا لكي تنجز حوارها مع مكابدة البطاح ! فمكابدة البطاح كما تهيأ لي انكسارات
فادحة بهيئة كبرياء وانهيارات فاجعة بدعوى
ثبات !! النواح اسماء ووجوه والجراح غناء وذكريات
! فأين بؤرة النص ؟ بل أين هماه : الدلالي والجمالي ؟؟ أفحقا ان منتج النص واجه
المستهلكين ( المتلقين من القراء ) وهو يرتدي القناع MASK ( التلبيس بوجهين ) على الطريقة الصوفية وإضمار المشبه
وإظهار المشبه به على طريقة المسرح اليوناني المتخيل ؟؟ الأسئلة اكثر عددا مما
طرحت والإتيان بها ليس حصرا وإنما مثلا ...
وها
انا ذا اقدم االمدخل الأول من خلال إصراري على ملاحظة الوهج الصوفي وذلك أدعى
لمعرفة مجهريات القصيدة والخبيء من معانيها ! وعندها ستنفتح بنية القصيدة على معان
غير مقصودة لذاتها !! ومعان متفاوتة المستويات !! من خلال مجازات توصلنا الى
مجازات !! نهضت بأعباء الوجع الشعري القاتم وحاولت الإرتقاء به مراقي حكمة ( أتون آبشتم ) !! ومن سوى النبي الضال يصلح
قناعا لقول الخيبة في أتون الهيبة !! والنقمة بقناع الرحمة ؟ وينبغي عليَّ القول
ان القصيدة وهي مزيج فني بين حالات النغم الثلاث : الكلاسك ( العمودي ) والمودرن (
الشعر الحر ) والبوست مودرن ( قصيدة النثر
) !! وكنت اتمنى وما زلت لو ان قصيدة( نبي ضال )اعتمدت بنية القصيدة المنثورة لأن
مكابداتها الصوفية بعيدة عن رتابة الإيقاع وصورها الفنية الكثيرة قريبة من طبائع الحركة
والسرعة ! وميكانزمها يعتمد الفلاش باك والمنولوجين الخارجي والداخلي وخبرات اخرى
نعرض لها لاحقا حين تعرض لنا !! والإلتزام بالتفعيلة المكررة مفض الى بحر وهو في حال كهذه لزوم ما لا يلزم !!. وقد احصيت
اسطر القصيدة استنادا الى تسمية صديقنا الشاعر والباحث اليمني الدكتور عبد العزيز
المقالح ( الشعر السطري ) فوجدتها مئة واربعين سطرا ويتوفر السطر على فئتين من عدد الكلمات : الأولى سبع عشرة والأخرى ثنتان
!! تبدأ القصيدة على طريقة الملاحم القديمة وأعني الإيحاء بأن خرماً ما سبق فاتحة القصيدة والقصيدة تبدأ من حيث
انتهى الخرم او المسح !! أو ان حوارا
سابقا جرى قبل لحظة التنصيص
اللاحقة فكأن النص يوصل ما انقطع
!! إقرأ معي :
لا تدعني كنبي دون معجزة ووجودي يرمز لوجودك ! أنت قد أبدعت خلقي من
سناءات الغرام ! ثم واعدتني سراً !
ان معجزي آت وشيكاً بعد عام ! دون عام ! لا تدعني دون دين وكتاب أو
كلام ! أنت أرسلتني شمساً ! أو بشيراً أو نذيراً في فضاي ! أبحث عن آيتي الكبرى
وعصاي .
وتلبثت قراءتي عند التعامل مع القناع الى محمول النبي موسى عليه
السلام أبحث عن آيتي وعصاي إذن ثمة آية وعصا وهما معادلان دلاليان مفضيان الى النبي موسى عليه
السلام !! والنبي موسى في موروثنا هو كليم الله !!
أفهل جاء بمحض الصدفة اسم الحبيبة المركز موافقا لمحمولات كليم الله ؟؟ إقرأ معي :
ذبت في شوق لرؤياي القديمة ! عندما طلَّت كليــمة ! فبصرت روحها ! هذا
تأويل رؤاي ! جئت كلمتها شوقاً أنتِ أنت من اريد !! قد بلغت مبتغاي !! .
والغريب
حقا ان النص اخفى اسم كليمة بعد ان غلفها بعشرات التمويهات فكأنه خائف عليها منه !
وخائف على نفسه منها !! ودليل زعمي ان ظهور كليمة
جاء بعد ان مضى من القصيدة السطرية مئة واربعة عشر سطرا !!! وجاء ظهورها وفق طريقة
الشطح الصوفي المفضي الى الهتك او كشف الحجب !! ويدخل ذلك وفق تصميم القصيدة
الواعي !!
ان
مجرى النص يهييء للمتلقي ان الحالة الصوفية قد تلبست النص او الضمائر العائدة الى
الضمير المحور اي المتكلم فقد يكون الهو مندغما بأنا وفق توزيع الأدوار الذي
يتطلبه القناع !! والحالة الصوفية تعتمد الهذيان والشطح للتعبير عن انغلاق الأفق
في عيني محور النص !! ولكن الوعي كان سيد المجرى مما افقد النص احيانا تلقائية
الخطاب الصوفي وهذه التلقائية المحذوفة تضيف احيانا الى النص من جهة ادارة دفة المجرى بحيث لا تتشتت الرؤيا او تنفلت الكوابح
!! ولقد تصرَّف النص بالإنية الصوفية تصرف مقتدر !! فهو جزء من المحبوب !!
والمحبوب جزء منه !! ولحظة اتحاد العاشق بالمعشوق هي لحظة الغاء الإنِّيَّة واتحاد
الكونين : كون العاشق وكون المعشوق !! قارن :
قل لها إنكِ جزئي ! وانا جزؤكِ أنت ! قل لها هاكِ وجودي ! ارجِعِي
كلِّي إليّ ! قل لها كَوْنُكِ كَوْنِي ! قل لها انك كوني ! وانا كونك انت ! هاك
اكوانك انت ! ردي أكواني عليَّ ! قل لها انك كلي !وانا كلك انت ! فاعطني كلي اليك
! وخذي كلي إليَّ ! قل لها إنك إني ! وانا انك انت ! فخذي اني لإنك ! وامنحي انك
اني ! هات ما بين يديك وخذي ما في يدي ....
وذلك هو الذي يمتلك مرجعية الإنية الصوفية !! قارن مكابدة الشهيد
الحسين بن منصور الحلاج ت 309 هـ :
أأنتَ أم انا هذا في إلهين
حاشاك حاشاك من اثبات إثنين
هويتي لك في لا ئيَّـتي أبدا
كلي الى الكل تلبيس ٌ بوجهين
فأين ذاتُكَ عني حيث كنت ارى فقد
تبين ذاتي حيث لا أيـني
وأين وجهك مقصوداً بناظرتي في
باطن القلب أم في ناظر العين
بيني وبينك إنِّيٌّ
ينازعني فارفعْ بلطفك إنِّيِّ
من البين
وقد تسهم الموسيقا في صناعة حالة من الوهج والتطريب فتتوالى فاعلاتن حادة ومتميزة بما يهيء لك انك
تسمع ضربات صنج !! هذه عينة من العبارات النغمية :
ماؤها من - تم ت تم تم = 0101101 - فاعلاتن
بحرها -
تم ت تم =
01101 - فاعلن
بحرها من -
تم ت تم تم
= 0101101 - فاعلا تن
نهرها - تم ت تم
=
01101 -
فاعلن
نهرها من - تم ت تم تم = 0101101 - فاعلاتن
نبعها -
تم ت تم
= 01101 - فاعلن
فيضها من -
تم ت تم تم
= 0101101 - فاعلاتن
لحظها - تم ت تم
=
01101 -
فاعلن
نطقها في - تم
ت تم تم = 0101101
- فاعلاتن
سررها - تم
ت تم = 01101 -
فاعلن
سررها في - تم ت تم تم
=
0101101 - فاعلاتن
نطقها -
تم ت تم
=
01101 - فاعلن
سررها ما - تم ت تم تم
=
0101101
- فاعلاتن
سررها - تم ت تم
=
01101 - فاعلن
لقد وزعت القصيدة جسمها في ايقاعين : ألأول سمعي نهض به شعر التفعيلة
والآخر إيقاع بصري نهض به الثر الشعري وهو
توزيع أو سلوك استدعته التجربة المتناقضة للقصيدة !!! فالصوفية الحديثة
تغنم شعريتها من النثر المركّز ( تعبير حسين مردان ) بينا صوفية ( الميتا / حسية ) تغنم شعريتها من تواتر
التفعيلات او التفعيلة المكررة !! نحن قبالة زهد الدراويش المتلبس بشهوة الجسد
وهنا مكمن التماهي بين الصور والمعاني والإشارات !! والمتلقي له سلطان على النص
الشعري !! بمعنى ثان ان المتلقي لا يحبذ ازدواجية الخطاب كأن يكون كالذي بين
ايدينا !! تطرفا في الزهد وتطرفا في الشهوة !! وبحسب زعمي ان هذا التناقض يمنح مركزية
الهم والتشكيل وهجا جميلا غير معتاد !! فالتصافح حالة سكونية !! والرضا حالة غير
شعرية !! والرؤية الثابتة الناضجة تصلح للحكمة واللغة غير الإنفعالية على راي آ. آ
. ريتشاردز !! قارن :
سبحان من اسرى بعبد بين افلاك النجوم ! بين كل الراقصات !من سديم الحب
للفكر ! من العشق ! وللطهر موطن النهى والصالحات ! صاعدا فيه ومن ثم دنا ! فتدلى
قاب صمام قلوب الزاكيات ! قلت لي : انت ولي ّ فاستقم ! ثم لتذهب ! قد جعلناك وليا
للغرام كي تهذب ! فاهدها نحو وداد فيك مذهب ! واهدها جنة عشق ووداد وهيام ! فيك ان
شاءت لتذهب ! قلت لي قد خلقناك قديما منك لك !! كوكبين دائمين دائرين في فلك ! قلت
لي انتما كل لبعض قد ملك !قد جعلناكم بامرنا ملك ........... لبيك !!
ولقد يكتشف المتلقي ان النص مشغول بالإقتباسات القرآنية غير المباشرة
اي صياغة المعنى القرآني بأسلوب النص الشعري وهو ما ادخله علماء الشعر في باب
الإقتباس !! والمقترب من الأقتباسات مضطر الى اعتماد آليات التناص التي اسستها (جوليانا
كرستيفا) في ستينات القرن العشرين حين
خرجت بنتيجة مهمة مؤداها ان التناص اغناء للنص وليس سرقا شعريا !! وهي نتيجة تغاير
ما ذهب إليه صاحب العمدة ! زد على ذلك ان الإقتباس قائم على المعنى الشعري حصرا
بينا يقوم الإقتباس عند بعض الشعراء على المعنى الأخلاقي او الوعظي !! ولعل فيما
اوردنا من نصوص وما سنورد تعزيزا لفرضية قراءتنا !! ويكتشف المتلقي (والمتلقي على
نحو ما مستهلك للنص ! ومستهلك صعب وملول ! ) اتحاد الهمين الموضوعي والذاتي مع
طغيان الذاتي على الموضوعي لأسباب تتصل بالتجربة ذاتها !! وغائية النص تكمن في
ارضاء الفيض الداخلي لتجربة الشاعر دون التفريط بمزاج المتلقي !! شريطة ان لايخسر
الشاعر فيضه في مغامرة ارضاء المتلقي وهي معادلة غاية في الصعوبة ! وما احسبه كما اشرت ان نبي ضال جعلت وكدها في التعامل مع
فيض الشاعر اولا !! فجرح النص فاغر بما يهييء لي ان هناك محاولة خبيئة لتوثيق
الوجع والتجربة !! بعبارة اخرى انني اظن من خلال اشارات موزعة داخل النص ان الجرح
ساع الى كتابة مذكرات العناء بطريقة شعرية رمزية !! وآية ذلك وجود بانورامات او
مقاطع وفيرة العدد تنبيء ان تلك ( البانورامات والمقاطع ) تمتلك حلم توثيق حالة
ليست عابرة في الزمكان !! ومهمة النص على رأي ( ارشيبالد مكليش ) هي جعل المعنى في
قفص الشكل !! وجعل الزمان في حدود المكان ! لقد قال النص اشياء كثيرة وربما اندلقت
اشياء فاضت عن حاجة المعنى اليها بله النص ! ولذلك نهض التكرار بعبء التسويغ ! وهو
اسلوب اعتادته الملاحم البابلية القديمة :
إنني اذكر
عندما كنت اصلي ذات يوم ! اسجد السجدة دهرا ! واناجي في الدعاء ! كنت لا ادري
مصيري ! خالطا صبحي مساي ! كنت بردا في شتاءات شعوري ! إنني ادري بأني كنت مخلوقا
مريبا ! بيد أني كنت من طين وماي!! لم اكن يوما شتاءا !!! لم اكن يوما جليدا !
يجمد الحب بقلبي ! يجمد العز وامجاد السماء ! يجمد التاريخ من دون عطاء ! يجمد
الإيمان من غير بناء ! تحت إنِّـيَّة ذاتي ودناي ! يفجر العشق بروحي برذيل مدعاي !
لم اكن يوما كذلك ! إنما الثلج عداي ! غير اني لم اجد خلا وقلبا يفهم العشق سواي !
يلهم العشق كروح يستذيب في هواي ! يحتسي الحب رحيقا للوجود وصلاة للكمال في غيابي
وشهودي ! ووفاءا وسلاما في سؤالاتي اذا حان التلاقي وردودي ذوبانا في حدودي !
واتصالا في ركوعي وسجودي ! ونبيا ينثر الحق ليمتص جحودي وفي كل مداي !!........
النص
يبتعد عن الإنِّيَّة ليقترب منها ويشاكس التوقع ليلتقيه ! في نزوع فني اتخذ البنية
الملحمية سبيلا لقول عذابات جمالية !! وتلبس الوجع الصوفي حتى التبس به ! من اجل أن
لا يقودنا الشطح الصوفي المجازي الى الشطح اليومي الواقعي ! فالنبي الضال وهو قناع
ضمير النص الذي لم يكشف طلاسمه بيسر ! هو إعادة درامية للضياع في قرارة الكون !!
وتجديد لا حق تمارسه الذاكرة لضياع موسى في التيه ! على ان التيه الساعة متعدد
والتائه ملتبس به وإن بدا مشاكسا لقدره !! فالكليم الملتبس وهو موسى عصر النص لم يجد حواريه ! فكان
كل اللحظات وخارجها ! وكل كتب السماء وداخلها ! ولن يجد ضالته في واقع الأشياء !
لن يجد الحبيبة المغيبة ! فاصطنع من كينونته كينونتها ! ليحاور الحبيبة المتخيلة
ويرسم حولها دائرة حتى لا تغادرحاضرالنص
وقابله كما غادرت ماضيه في ذات عذاب أو ذات مساء أو ذات مكان !! فهما
الساعة وكل ساعة روح طيرين على بعض تحط اجتمعا في النص
المتخيل بعد ان افترقا في الواقع المتحقق !! قارن
ونبيا ينثر
الحق ليمتص جحودي ! وفي كل مداي ! ونبيذا من طهور في حضوري وشرودي ! وعيونا في
ينابيع عيوني ! ونهودا بنهودي ! وبريقا في رعودي ! والتحاما بوجودي ! يرتمي في
محتواي ! نور عشق تختلط ! روح طيرين على بعض تحط ! ونسيمين اذا ما تمتزج ! ومياهين
فراتين لكبدين بفاه واحد حين تلج ! وفؤادا عمق صدرين اذا ما يختلج ! لم اجد روحا
سواي ! لم اجد صنوا شبيهي ! هذا ما كان شتاي ! ضعت في التيه قديما ! في القرى وترا
وحيدا ! لم اجد موسى معاي ! انني آمنت توا ان ربي في قراي ونداء هزني ارقب علاي !
هاك قرآن هداي ! هاك إنجيلي وتوراة هواي !! .
وبعد
فالقصيدة كما بدت لقراءتي مكابدة حدثت ومضت بيد انها احتفظت بحرائقها واصواتها
لزمن طويل ثم انفجرت لتجعل الوجع الواقعي فعلا شعريا .........
عبد الإله
الصائغ / مشيغن المحروسة
24 ديسمبر
كانون اول 2003
لمن طلب القصيدة يتفضل
بالضغط هنا