|
ندوة: احتلال العراق
وتداعياته- عربياً واقليمياً ودولياً.
مركز دراسات الوحدة العربية
عرض وتلخيص ومراجعة: د.
عبدالوهاب حميد رشيد
(16)
اقتصرت الجلسة الاخيرة للندوة:
جلسة بعد الظهر الثانية (11/3) برئاسة الاستاذ
عبدالقادر غوقة، ونوقشت خلالها: البحث الثالث
والعشرون- التعويضات- الدكتور عبدالامير
الانباري- سفير العراق الاسبق لدى الامم
المتحدة..
في معالجته للخلفية
السياسية لغزو النظام العراقي السابق للكويت
(1990) يذكر الدكتور الانباري ان الهدف السياسي
الاصلي تمثل في السيطرة على الحدودالجنوبية لحقل
نفط الرملية وحماية الاحتياطات النفطية العراقية
من عمليات الحفر والانتاج الكويتية. لكن احتلال
القوات العراقية لمجمل الاراضي الكويتية غيّر من
طبيعة العمليات العسكرية من كونها مجرد تحركات
تعكس نزاعاً حدودياً الى عملية احتلال دولة
مجاورة ذات سيادة سبق ان اعترفت الحكومة
العراقية بها، وانضمت الى الامم المتحدة
باعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة.
وهنا يشير الباحث الى دور
سلطة الاحتلال البريطاني في خلق واستمرار
المشكلات الحدودية عندما كانت مسيطرة على كل من
العراق والكويت حيث رسمت الحدود الدولية لكل
منهما بصور قلّصت المياه العراقية الى منطقة
صغيرة نسبياً لا تتناسب مع كبر مساحة العراق
النسبية، في حين منحت الكويت مساحات كبيرة في
المياه الاقليمية بما يزيد كثيراً عن متطلباتها
المائية والملاحية والثروة السمكية ومساحتها
الجغرافية.
وفي 3 نيسان/ابريل 1991
أصدر مجلس الامن قراره المرقم 687 الذي نص على "ان
العراق مسؤول بموجب القانون الدولي عي اية خسائر
مباشرة او اضرار... لحقت بالحكومات الاجنبية...
كنتيجة لغزو لعراق غير القانوني واحتلاله
للكويت". وهنا يلاحظ ان تحميل العراق مسؤولية
الخسائر بقرار من مجلس الامن كأعلى جهاز سياسي
في الامم المتحدة وليس من قبل محكمة العدل
الدولية المختصة في النظر بالمنازعات القانونية
بين الدول او اشخاص القانون الدولي ربما نتج عن
"غياب" الشخصية الدولية للكويت بعد الحاقها
بالعراق ومغادرة حكومتها الاراضي الكويتية.
وهكذا، فإن اعتبار العراق
مسؤولاً عن الخسائر المباشرة التي اعقبت دخوله
الكويت ورد بناء على قرار سياسي صادر عن مجلس
الامن وليس بموجب قرار قضائي محايد وملزم صادر
عن محكمة العدل الدولية او جهة محايدة تحكيمية
موضوعية ومتفق عليها من قبل الاطراف المعنية.
كما ان مجلس الامن ذاته وليس جهة قضائية قد فرض
على العراق دفع التعويضات كما تقررها لجنة
التعويضات المنبثقة عن المجلس.
لذلك فإن كافة قرارات لجنة
التعويضات واجراءاتها هي من حيث الجوهر سياسية
وخاضعة من حيث تغييرها او تعديلها وحتى الغائها
الى قرارات المجلس واهداف ومصالح الدول الاعضاء،
بمعنى ان كل ما يتعلق بالتعويضات ليس له
بالضرورة صفة القطعية خلافاً للاحكام القضائية،
مما يجعل من التعويضات اداة سياسية تخضع للمصالح
والسياسات الوطنية والاقليمية والدولية لأعضاء
المجلس.
ان اهم التبعات الناجمة عن
تسييس التعويضات هي ان شرعيتها والزاميتها
واساليب الوفاء بها لم تقررها جهة قضائية مختصة
بل اقرها مجلس الامن كإجراء سياسي فرض بموجبه
المسؤولية القانونية والمالية على العراق عن
الخسائر والاضرار التي اعقبت احتلال الكويت
واناط مهمة تنفيذها بلجنة التعويضات. وهنا تجدر
الاشارة الى ان التعويضات قد تكون سلاحاً ذا
حدين، ففي حين تعوض الطرف المتضرر، فإنها في نفس
الوقت قد تلحق الضرر بالطرف الآخر الى حدود تخرج
عن الشرعية الدولية.
يضاف الى ذلك قد تُستغل
التعويضات لتحقيق اغراض تفتقد الشرعية او تخالف
المبادئ الاساسية للقانون الدولي بما في ذلك:
استغلال التعويضات كغطاء للاستيلاء على مصادر
الثروة الطبيعية في غياب تعويض عادل.. استعمالها
كوسيلة لعرقلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية..
قد تتجاوز آثارها الاضرار المراد معالجتها بما
يؤدي الى الانتقاص من الاستقلال الوطني.. اضعاف
التجمعات والمنظمات الاقليمية او القومية التي
تكون الدولة المستهدفة عضواً فيها.. احتمال
إساءة استخدام التعويضات بحيث تصبح وسيلة
للإثراء غير المشروع للدولة التي تحصل عليها على
حساب الدولة التي تتحمل عبئها.
لهذه الاعتبارات لا بد ان
تتصف هذه التعويضات بالموازنة والعدل وان تكون
الجهة المسؤولة عنها ليست سياسية، بل محايدة
تعمل وفقاً لأحكام القانون الواجب التطبيق حسب
المبادئ القانونية العامة التي تلتزم بها محكمة
العدل الدولية في حسمها للمنازعات العامة. من
جهة اخرى، ليس كل ضرر يستوجب التعويض كما هو
الامر في الحالات التالية: الدفاع عن النفس..
القوة القاهرة.. انعدام السببية.
تسلمت لجنة التعويضات منذ
تأسيسها حوالي 6و2 مليون طلب للحصول على تعويضات
تتجاوز في مجملها 300 مليار دولار. رفعت هذه
الطلبات نحو مائة حكومة نيابة عن مواطنيها او
مؤسساتها الخاصة والعامة. كما رُفعت طلبات من
قبل ثلاثة عشر مكتباً تابعاً للبرنامج الإنمائي
للامم المتحدة والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين
ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين نيابة
عن افراد لم يكونوا في موقع يسمح لهم بتقديم
طلباتهم بواسطة حكومات..(والسؤال هنا هل وجد
حوالي 150 ألف عراقي- كانوا يقيمون في الكويت
قبل الغزو والذين تعرضوا للخطف او القتل او
التعذيب، اضافة الى فقدان اعمالهم واشغالهم
وممتلكاتهم وعلى مرحلتين: الاولى على يد سلطات
النظام العراقي السابق اثناء الاحتلال..
والثانية على يد السلطات الكويتية العائدة بعد
((التحرير))- حكومة او منظمة دولية او غير دولية
لتقديم طلباتهم...؟- كاتب العرض).
ان مجموع المبالغ المطالب
بها على سبيل التعويضات ربما يزيد عن الناتج
القومي الاجمالي السنوي للعراق، وقد تؤدي في
النهاية الى افلاس الدولة العراقية مما يعني
خسارة العراق دولة وشعباً كل الممتلكات والاموال
التي يمتلكها العراق ويضع الشعب العراقي بجيله
الحاضر واجياله القادمة على طريق الإبادة بصورة
سلمبة وهادئة بعيداً عن الرأي العام العالمي
والمنظمات الدولية..
ان القرارات التي يتخذها
المجلس الحاكم بشأن مشروعية طلبات التعويضات
ومبالغها واساليب تحصيلها والمديات الزمنية التي
تستغرقها هي جميعاً نهائية وغير قابلة للاستئناف
امام أي جهة اخرى سوى مجلس الامن. وان قطعية
قرارات المجلس وضمان عدلها تستلزم استناد تلك
القرارات الى وقائع موضوعية وقواعد قانونية
واجبة التطبيق بالنسبة للاطراف المعنية، كما
ينبغي ان تراعي القرارات المذكورة الآثار التي
قد تنجم عنها بالنسبة للوضع القانوني والمالي
المطلوب منه دفع التعويضات خشية ان تؤدي في
النهاية الى افلاس هذا الطرف، بل والاطراف
الاخرى كما حدث بالنسبة الى المانيا بعد الحرب
العالمية الاولى.
المفارقة هنا ان الحاكم
الامريكي لسلطة الاحتلال يقترح ان يقوم عدد من
الدول العربية، خاصة السعودية والكويت، باعفاء
العراق من التعويضات، كنوع من الاسهام في
"الجهود الامريكية" لاعمار العراق وتخفيف
الضائقة التي يعيشها العراقيون. ورغم ان الحاكم
المدني كان بامكانه المطالبة بالغاء هذه
التعويضات استناداً الى الاعتبارات القانونية
والتنموية ومراعاة لمتطلبات الامن والسلام
الدوليين- حسب الباحث- ( الا ان الرفض العلني
لهذا الاقتراح من قبل السعودية والكويت، وسكوت
البقية تمسكاً بها قد تلقي المزيد من الضوء تجاه
شعب العراق من انظمة عربية قبلية حاقدة وفاسدة-
كاتب العرض)
ان افتقار التعويضات
المذكورة الى الشرعية، تعكسها احكام ميثاق الامم
المتحدة.. وان صلاحيات مجلس الامن بشأن
التعويضات المالية لا يتواجد لها اساس في نصوص
الميثاق الصريحة او احكامه الضمنية، بل تتعارض
مع هذه النصوص والاحكام بالضرورة، حيث يتجاوز
فرض مثل هذه التعويضات صلاحيات المجلس وفق ما
اوردها الميثاق وتخالف في نفس الوقت احكام
المبثاق المتعلقة باختصاص وصلاحيات اجهزة الامم
المتحدة الاخرى خصوصاً محكمة العدل الدولية.
وبعد ان يتعرض الباحث الى
الاختصاصات القضائية المختلفة بشأن التعويضات
المفروضة على العراق، ينتقل الى الطرف الآخر من
المعادلة، ويخص التعويضات التي قد يحق للعراق
المطالبة بها في ضوء ما لحق به من تدمير لبنيته
التحتية وخسائر بشرية وتنموية ربما تمتد آثارها
الى الاجيال العراقية القادمة. وهنا يرى الدكتور
الانباري ان الخطوة الاولى اللازمة لإيجاد تسوية
مقبولة ومستمرة هي التحقق اولاً من الوقائع
الخاصة بالخسائر المادية والبشرية والمعنوية..
وثانياً توفر الإرادة السياسية لدى كل الاطراق
المتقابلة، اضافة الى دول التحالف لتحقيق الامن
والسلم في المنطقة عن طريق تحقيق العدل وتوفير
الامن والسلم لجميع الاطراف وتمكينها من
المباشرة بعملية التنمية المستديمة.
|