اطبع هذه الصفحة

تحديث

ارسل هذا الموضوع  لصديق

ندوة: احتلال العراق وتداعياته - عربياً واقليمياً ودوليا (15)

تاريخ آخر مشاركة : 

12/03/07

د. عبدالوهاب حميد رشيد

 

ندوة: احتلال العراق وتداعياته- عربياً واقليمياً ودولياً.

مركز دراسات الوحدة العربية

عرض وتلخيص ومراجعة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

(15)

      ناقشت جلسة بعد الظهر الاولى (11/3)، التي ترأسها الدكتور محمد المسفر، البحث الحادي والعشرون: مستقبل التنمية- الدكتور سالم توفيق النجفي- جامعة الموصل- كلية الإدارة والاقتصاد, والبحث الثاني والعشرون: السياسة النفطية- الدكتور رمزي سلمان- مستشار في شؤون النفط، بالاضافة الى عدد من التعقيبات التي وردت عليهما.

      يرى الدكتور النجفي ان بناء النماذج الاقتصادية لم يعد مسألة ترفية بعد احتلال العراق والذي قاد الى تفكيك بنية نظامه الاقتصادي دون ان يُعاد بناءه بخطوات متسارعة وجادة، وربما تستغرق هذه المرحلة مديات زمنية طويلة.

      يصعب تحديد النماذج الاقتصادية للتنمية الملائمة لاقتصاد ما قبل معرفة خلفية تطوره عبر عقود قليلة ماضية في اقل تقدير، بحيث تبدأ خطط التنمية الاقتصادية من خلال رؤية واضحة لندرة الموارد ونمط استخدامها والبنية المؤسسية التي تعمل من خلالها، إذ تحدد هذه البنية مؤشرات توزيع الانفاق على مكونات الناتج المحلي الاجمالي. ويمكن اعتبار برامج مجلس الاعمار في عقد الخمسينات احد مؤشرات اعادة تنظيم إدارة تخطيط اعمار العراق، والتي اعتمدت في ستراتيجيتها الاساليب الاصلاحية في المجال الاقتصادي.

      بينما قادت التغييرات التي حصلت في العراق بعد العام 1958 الى سيادة مفاهيم جديدة للتنمية الاقتصادية في سياق تبني الخطط الاقتصادية، فضلاً عن اجراءات راديكالية تمثلت في قانون الاصلاح الزراعي (30/1958)، في محاولة للإدارة الجمهورية تقليص التباين الواسع في الاصول المولدة للدخل في القطاع الريفي، نتيجة تعاظم سوء توزيع الارض لصالح الاقلية المالكة.

      توالت على الاقتصاد العراقي بعد تغيير النظام العام 1968 اربع خطط اقتصادية       (1965-1969، 1970-1974، 1976-1980، 1980-1985)، بينما شهدت هذه الفترة تفضيل الاهمية النسبية للقطاع العام (الاشتراكي)، واصبحت المتضمنات الاقتصادية لخطط التنمية ذات رؤية مركزية في الشأن الاقتصادي.

      افقد هذا الاتجاه الشمولي للسياسات الاقتصادية العراقية مقومات الكفاءة الاقتصادية والتنافسية للانتاج السلعي في اطار علاقاته التبادلية وابعدت "مزايا السوق" عن تحقيق منافع اقتصادية للمجتمع العراقي، بينما تبين ان النفط لم يكن احد مكونات الدخل القومي، حسب، بل طوُرت من خلاله استقلالية الدولة في مواجهتها للمجتمع.

      واجه العراق في عقد الثمانينات اكثر من صدمة اقتصادية بسبب حرب الثماني سنوات: تقلبات ايراداته النفطية نحو الانخفاض، تعاظم الانفاق العسكري بما رتبه من اضعاف القدرات الانمائية للاقتصاد العراقي ومشكلات التضخم. ومع نهاية الثمانينات اتجهت السياسة الاقتصادية نحو بيع جزء من القطاع العام لتمويل جانب من العجز في "الميوانية العامة". في حين شهدت الاوضاع الاقتصادية لعقد التسعينات، نتيجة لحرب 1991 والحصار، مقدمة للنتائج التي حصلت في نيسان 2003.

      ورغم ان الاخفاقات التي واجهها الاقتصاد العراقي قد تأتت من اوضاع الحصار الاقتصادي خلال العقد المذكور، الا ان جزءاً منها جاء نتيجة فشل برامج التنمية الاقتصادية عن تحقيق المعدلات المستهدفة للنمو وتنويع الهيكل التصديري خلال عقد السبعينات والثمانينات، بسبب جنوح التوزيع النسبي للانفاق على الناتج المحلي الاجمالي نحو متطلبات الحرب في عقد الثمانينات، مما ترتب عليه ان يتسم الاقتصاد العراقي آنذاك بحساسية عالية تجاه الصدمات الاقتصادية. كما ترتب على اوضاع التسعينات التوسع في "توزيع الفرص" بدلاً من "تكافؤ الفرص"- (تأكيد الولاء قبل الكفاءة- كاتب العرض).. وفي غياب متطلبات اقتصاد الحرب واجه الاقتصاد العراقي مخاطر الحرب المتوقعة مع القوات الامريكية والمتحالفة معها..

      وفي تحليله لمرجعية التنمية الاقتصادية، يرى الدكتور النجفي ان الاقتصاد العراقي سيبدأ بالتحول نحو الليبرالية والانفتاح الاقتصادي، وبذلك يقترب من الحالات التنافسية التي تنعكس في "مزايا السوق"- القطاع الخاص، ونظرا لضرورة اشباع الحاجات الاساسيةً للاكثرية الفقيرة في المجتمع، فإن الامر يقتضي سيادة الفاعلية العقلانية لـ "دور الدولة" في الشأن الاقتصادي، فضلاً عن اهمية هذا الدور في مواجهة الآثار الضارة والانحرافات بما في ذلك حماية الانتاج الصغير والمتوسط، وهنا يلعب "المجتمع المدني" دوراً محورياً للحفاظ على ثروة المجتمع.

      وهكذا تُعد هذه القوى الثلاثة في مساهمتها بالنشاط الاقتصادي في مرحلة التحول ضرورة ملحة في سياق الفرص والقيود والمحددات التي تحيطها. وقد يعتقد البعض ان هكذا نموذج مختلط هو مضمون جدلي يصعب التنبؤ بأوضاعه في الامد البعيد لتناقض هذه الثلاثية في متضمناتها ووسائلها واهدافها، الا ان الديناميكية العقلانية بعيداً عن التطرف الايديولوجي للعلاقة بين هذه الادوار للوصول الى نقطة التوازن بينها لا تُعد حالة ساكنة بل متغيرة وفقاً للحالة التوازنية التي تتمخض عنها اهداف التنمية المنشودة.

      وهكذا يتكون النموذج المطروح من ثلاثة عناصر: القطاع الخاص، القطاع العام، والمجتمع المدني. وهنا يتساءل الباحث، هل يمكن ان يسير هذا النموذج مع السياسات الاقتصادية لسلطات الاحتلال في ضوء مشاريعها المرسومة الساعية الى تزايد معدل تراكم رأس المال وتوسيع الانتاج في الاقتصادات الصناعية المتقدمة لتحقيق اهدافها في اطار "الستراتيجية الامبريالية الجديدة".. ويختم الدكتور النجفي بحثه بالسؤال التالي الذي يرى طرحه ضرورة وطنية ملحة: هل ستستفيد الامة العربية من متضمنات هذه المحنة ام تنتظر احتلال جزء آخر من جغرافيتها؟

***

      في تعقيبه على الورقة البحثية، اشاد الدكتور ثامر محمود العاني بمحتوياتها ومنهجيتها العلمية الرصينة والاصالة والابداع في مضمونها، واضاف الملاحظات التالية:

* قادت الحروب والحصار ثم الغزو والاحتلال الى وضع اقتصادي صعب، حيث بلغت معدلات البطالة في بغداد 65% بواقع ستة ملايين من العاطلين.

* اهم المخاطر التي يتعرض لها العراق هو سيطرة الاجانب على مؤسسات القطاع العام مقابل مبادلة الديون الخارجية وسيطرة الاجانب على مصالح حيوية داخل العراق.

* تشكل الاستثمارات الاجنبية المباشرة التي تمثل عمليات التمويل الخارجي اخطر انواع الاستثمارات الاجنبية والتي تتمخض عن شراء الاجانب لاصول القطاع العام بنصف قيمته ، والعراق ليس بحاجة لهذا النوع من الاستثمارات.

* عمليات التوظيف المالية في البورصة والمحافظ المالية وتملك الاصول المعروضة للبيع بما فيها اصول القطاع العام، لا تشكل استثمارات لأنها لا تسفر عن زيادة في الطاقة الانتاجية، والعراق ليس بحاجة الى مثل هذه الاستثمارات.

* ان الاستثمارات الحقيقية هي تلك التي تمثل اضافة حقيقية لطاقات الدولة الانتاجية، وهي التي يحتاج اليها العراق، وللاستفادة من مثل هذه الاستثمارات الاجنبية ينبغي بناء تصور مسبق وتناسب بين حجم المزايا والحوافز المعطاة لرأس المال الاجنبي.

* ضرورة اتباع سياسة كلية رشيدة تركز بشكل اساس على الجوانب الاجتماعية- الانسانية، كما يجب عدم الشروع ببيع القاع العام، وحتى يتحقق الاستثمار الاجنبي لا بد من انتظار قيام حكومة عراقية منتخبة شرعية.

* ان وجود قطاع عام في العراق امر حيوي سياسياً واقتصادياً، وايضاً مطلوب ان يلعب القطاع الخاص دوره المحوري في عملية التنمية ضمن الستراتيجية العامة للدولة.

***

      وفي تعقيبه على الورقة البحثية ذكر الدكتور عبدالوهاب حميد رشيد ان نظرة نقدية موضوعية للبحث قد تكشف صعوبة بناء نموذج اقتصادي في ظروف عدم التوكد، بل وعدم الاستقرار في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية، اضافة الى غياب و/او غموض المعطيات المستقبلية.من هنا جاء التأكيد على الاطار العام الذي يقود هذا النموذج المستقبلي متمثلاً في القطاعات الثلاثة المذكور: الخاص والعام والمجتمع المدني.

    ويلاحظ على خطط التنمية للفترة منذ الخطة 1965-1969 وما بعدها انها تركزت في خطتين فاعلتين وخطة ثالثة (1976-1980) لم تنشر عنها بيانات وافية، وفيما بعد هذه الفترة اخذت السياسة الاقتصادية باسلوب البرامج السنوية التي توقفت بياناتها فيما بعد. وهو ما يشير اليه الدكتور عباس النصراوي في كتابه: الاقتصاد العراقي. وليس واضحاً من اين جاء الباحث بالخطة الرابعة لما بعد عام 1980.

      اما سياسة توزيع الفرص بدلاً من تكافؤ الفرص او سياسة اولوية الولاء قبل الكفاءة، فإنها ظهرت منذ العام 1968، أي مع مجيء النظام السابق واتسعت وترسخت منذ بداية سبعينات القرن الماضي ولغاية سقوط النظام.

      واذا كان من الصعب تحديد نموذج للتنمية العراقية في الظروف الحالية، فإن اية ستراتيجية للتنمية تتطلب تحديد مجموعة مبادئ تتقدمها: اولوية تنمية الفئات والقطاعات والمناطق الاكثر فقراً وفق مبدأ التنمية من الاسفل.. ضرورة استمرار تبني الدولة ضمان الحد الادنى لمعيشة المواطنين بما في ذلك حاجاتهم الاساسية.. تأكيد احتضان وتنمية الخبرة والمؤسسات العراقية.. تسريع تنمية بقية القطاعات غير النفطية باتجاه تحقيق الهدف الصعب وهو اعادة بناء وتنويع هيكل الاقتصاد الوطني على طريق بناء الاستقلال الاقتصادي النسبي- القاعدة المركزية لضمان الاستقلال السياسي.. محاولة تحقيق اعلى قدر من الامن الغذائي اعتماداً على الداخل.. وكل ذلك في سياق محاولة تحقيق معادلة صائبة بين القطاعات الثلاثة الواردة في البحث. يضاف الى ذلك تبني مبدأ تكافؤ الفرص للجميع واولوية الكفاءة على الولاء.

      واخيرا، فإن طريق الاستقرار والامن يدخل عبر بوابة سرعة تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين بما في ذلك اولاً واساساً معالجة المشكلة الاجتماعية- الاقتصادية الخطيرة المتمثلة بالبطالة الواسعة. لكن هذا الهدف الاقتصادي الاكثر الحاحاً يواجه واقعاً شاذاً يتمثل في التوجه المقصود للمحتل تضخيم تكاليف الاعمار والذي يعبر عن النهب الامريكي لأموال البلاد وثرواتها.

      وختاماً، ربما يبقى السؤال الذي سيتطلب مناقشة جادة وواسعة، هو ماهية التنمية الملائمة للعراق الحالي، عراق الاحتلال/ الكارثة والخراب الاقتصادي والاجتماعي.. هل سيمكن تنفيذ ستراتيجية التنمية المستقلة المعتمدة على النفس او قدر من هذه الستراتيجية تعادل هجمة الانفتاح المتوقعة؟ هل يمكن ملاحقة توفير الحد الادنى من الضمانات المعيشية وحاجات المواطنين الاساسية؟ هل يمكن اعتماد ستراتيجية التوزيع المتناسب للاستثمارات وتقليص جيوب الفقر وسوء توزيع الدخل والثروة وفجوة النمو بين الفئات والقطاعات والمناطق المختلفة؟ هل يمكن ان نطمح بتبني سياسة تنويع الهيكل الاقتصادي والسير على طريق الاستقلال الاقتصادي وضمان الحد الادنى من الاكتفاء الذاتي والامن الغذائي.. هل يمكن اعادة احياء وتطبيق القانون الجمهوري الاول: من اين لك هذا؟ ام سيكون العراق امام غلبة الانفتاح واحتمالات تقليص الخدمات العامة وتنمية مزيد من جيوب الفقر وظهور اشكال متعددة من المافيات؟ الجواب يعتمد على مدى امكانية تحقيق مصالحة وطنية ووحدة وطنية في اطار بروز جبهة تاريخية تقود عملية استعادة الاستقلال السياسي المحرك والرأس للبناء الاقتصادي والاجتماعي.. وشكراً..

***

 

      قدم البحث الآخر (الثاني والعشرون- السياسة النفطية) في نفس الجلسة الصباحية الدكتور رمزي سلمان. فبعد ان استعرض عمليات الاستكشاف النفطي منذ كان العراق تحت الاحتلال العثماني اواخر القرن التاسع عشر، ثم وقوع المنطقة تحت الاحتلال البريطاني- الفرنسي ومنح شركة النفط العراقية امتيازاً يغطي معظم مساحة العراق واكتشاف حقل كركوك العملاق (1927) ثم حقل نفط الزبير (1947) وحقل الرميلة العملاق (1954)، وهو التاريخ الذي شكل نهاية العمليات الاستكشافية الجديدة لشركة نفط العراق وفروعها.. ثم الطريق الى التأميم بعد ثورة تموز 1958 بدءاً بالقانون الشهير رقم 80 ومروراً بانشاء شركة النفط العراقية وتفعيلها وختاماً بصدور القانون 69/1972 كبداية اممت بموجبه شركة نفط العراق لتستكمل عملية التأميم الشامل للنفط العراقي لغاية عام 1975.. وهنا يتساءل الباحث: هل كان تأميم النفط في العراق جزءاً من موازييك الترتيبات والمقدمات لرفع الاسعار في السبعينات لجعل الانتاج خارج دول الاوبك اقتصادياً وتبرير الخزين الستراتيجي، ومن ثم تركيع الاوبك في الثمانينات؟.. (وهو ما اشار في تحليله وبنفس الاتجاه: الاقتصادي العراقي المرحوم الدكتور محمد سلمان حسن اثناء انعقاد مؤتمر النفط في بغداد اوائل السبعينات- كاتب العرض)..

      لاحظ الباحث ان الفترة 1980-2003 شكلت فترة مظلمة للصناعة النفطية العراقية، اذ شهدت تلك الحقبة الانتاج بأقصى الطاقات الممكن تصديرها، وبأي ثمن، لتغذية المجهود الحربي واستمرار النظام، بما في ذلك ما كان يسببه من ضرر للحقول النفطية ومنشآتها. وهنا يشيد الدكتور رمزي بالجهود المنجزة لمعظم العاملين في القطاع النفطي، لما قاموا به لاستمرارية الانتاج بظروف في منتهى الصعوبة.. بالاضافة الى ظروف العمل من شحة معدات وقطع غيار.. "وعلينا ان نكون شاكرين لجهودهم الخلاقة للحد قدر المستطاع من الاضرار للمكامن النفطية والمنشآت التي غالباً ما اضطروا لتشغيلها بطاقات تفوق كثيراً الحدود المتعارف عليها والمقبولة في الصناعة النفطية عالمياً". واخيراً جاء الغزو والاحتلال لتدمر منشآت كثيرة، سواء بنيران القوات الغازية او النهب والتخريب المتعمد، "وكأن عمليات الثأر تشمل الجماد لذنب اقترفه".

      هناك الكثير من الآراء والاجتهادات التي تربط بين الاحتلال والنفط. يؤكد جيمس اكنز- سفير سابق للولايات المتحدة الامريكية لدى السعودية- بأن النفط ورغبة الولايات المتحدة للسيطرة على مصادره يمثلان المحور الاكثر تأثيراً في توجه وتفكير الإدارى الامريكية الحالية.

      وحسب اكثر الدراسات الموثوقة المتاحة التي اجرتها شركة سيبولت العالمية في آذار/مارس 1998 (و) ك2/يناير 2000 لصالح الامم المتحدة، فإن وضع الصناعة النفطية في العراق بعد الدراسة الاولى كان سيئاً جداً، اما التقرير الثاني فأشار الى استمرار تدهور الوضع في معظم اجزاء القطاع النفطي واتجاهه نحو الانهيار في البعض الآخر.

     اما موقف شركات النفط العالمية قاطبة فلها اهتماماتها في العراق، لكن موقفها الحالي حسبما اعرب عنه رئيس إحداها، انه بسبب علامات الاستفهام الكثيرة التي تحوم حول الموقف في العراق، فإن الشركات تعتمد حالياً المناورة ومحاولة مد الجسور، وليس تنفيذ أي ستراتيجية واضحة مفضلة الانتظار. فالنفط تحت الارض منذ قرون وتعود على الانتظار. وفي غياب حكومة شرعية وبرلمان منتخب ليس من الممكن تحقيق أي صيغة تعاقدية، وبالذات عقود المشاركة المعمول بها في دول اخرى.. فحسب احكام القانون الدولي تكون القوات المحتلة غير مخولة التصرف بثروات البلد المحتل.

      وفيما يخص مستقبل الثروة النفطية، يرى الباحث عدم امكان استقراء هذا المستقبل بمعزل عن التطورات السياسية والامنية وشكل الحكم في البلاد بعد الانتهاء الرسمي للاحتلال بما يسمى الاستقلال، وهل انه سيكون استقلالاً حقيقياً او استقلالاً شكلياً يكتنفه بعض الغموض؟

      وفي ظروف حمى اندفاع سلطات الاحتلال والمؤيدين لها باتجاه خصخصة القطاع النفطي وكأنه من غنائم الحرب، اصبحت اليوم تتكلم عن ترك كل ما يتعلق بالعمليات الاستكشافية والتطويرية والتعاقد مع الشركات الاجنبية وغيرها من الامور السيادية الى حكومة دستورية وبرلمان منتخب، الامر الذي يطابق موقف الشركات العالمية. يقول رئيس سابق لإحدى هذه الشركان من ذوي الخبرة في العراق والمنطقة بشأن خصخصة الحقوق النفطية العراقية التي روج لها حتى بعض العراقيين: "استغرب كيف تُطرح مثل هذه الافكار، ولكنها بالتأكيد من اناس لا يعرفون العراق والعراقيين، كلنا يعرف مصير الامتيازات وعقود الخدمة التي ابرمتها في حينه حكومات شرعية ومعترف بها عالمياً، فما المصير الذي تتوقعه لما يبرم تحت الاحتلال او مع حكومة معينة وغير منتخبة ديمقراطياً". وهنا يكشف الباحث عن قناعته بأن الثروة النفطية، ومهما طال الامد، ستعود الى السيطرة والملكية الكاملة لشعب العراق.

      وبخصوص التطورات المتوقعة، وبعد مجيء حكومة شرعية منتخبة، وفي ظروف الاوضاع السيئة لمنشآت القطاع النفطي التي تتطلب استثمارات ضخمة، يدعو الباحث الى تحويل المنشآت النفطية من تحويلية وخدمية ليكون قطاعاً مختلطاً وحتى بمشاركات اجنبية.. ومرد هذه الدعوة ان ملكية المنشآت الخدمية لا تتعلق بموضوع السيادة والثروة والوطنية، ولأنها توفر شيئاً من الاستثمارات المطلوبة، علاوة على تسريع تأمين الخدمات المهمة للمجتمع ولأغراض التنمية.

      وبالنسبة الى حقول النفط ومكامنها ومنشآتها والمنشآت السطحية فهي تتطلب الكثير من التطوير. وبشكل عام سيتطلب الامر كمرحلة اولى تقييم كامل لصحة المكامن النفطية مع الحد من مستوى الانتاج بما يضمن تطبيق الاسلوب السليم المتعارف عليه وعدم زيادة الانتاج الا بعد نوفير ما يتطلبه ذلك من خدمات مكمنية ومنشآت حقلية كفوءة، وهي امور تقررها الحكومة الشرعية والبرلمان المنتخب. ولتأمين مثل هذه الاستثمارات قد يصار الى اعتماد اساليب معمول بها دولياً مثل عقود الخدمات وعقود المشاركة مع شركات وبيوت تمويل اجنبية.

      وفيما يخص التأثير لدول الجوار والاوبك، وحيث ان العراق يملك ثاني احتياطي نفطي في العالم، يرى الباحث انه سيكون من المهم للحكومة الجديدة لاثبات جدارتها تحقيق مستوى انتاجي استهدفه رأس النظام السابق لكنه فشل في تحقيقه، وهو ستة ملايين برميل يومياً، كما اعلن عن ذلك عام 1990. بل وحتى عشرة ملايين..

      وفي سياق اعتماد العراق على عقود المشاركة التي تتصف بسرعة التنفيذ، وفي ضوء انخفاض تكلفة انتاج البرميل التي تقل عن مثيلتها في ايران، ستضطر الاخيرة الى تحسين شروط عقودها اذا ما ارادت جذب المزيد من التمويل لعملياتها وزيادة طاقاتها الانتاجية.. اما الكويت، التي غازلت الشركات الاجنبية للدول الكبرى ولسنوات، لتطوير مناطق شمالية وحدودية لأغراض سياسية وستراتيجية، فإنها ستكون في مجابهة مع منافس جديد يجتذب شركائها عبر حدودها الشمالية.. بينما يعني ذلك للسعودية ان عراقاً غير مقيد بحصار يتحرك بسرعة لزيادة طاقته الانتاجية بصيغ المشاركة، ومنافسة لحصة السوق، وقد يعني ذلك تجاوز العراق لحصته في الاوبك بعد خسارته لسنوات الحصار لصالح السعودية التي غنمت معظم السوق العراقية. وبعد سنوات من الحصار وخسارته للكثير من حصته يمكن للاوبك ان يتفهم موقف احد اعضائه المؤسسين عند تجاوز حصته.

      وختاماً، يشير الباحث الى معلومة قد تكون هامة وذات معاني سياسية بالعلاقة مع اهداف الاحتلال للعراق، وهي ان قرار سلطات الاحتلال رقم 39 خلال السنة الاولى سمح بالامتلاك الاجنبي الكامل في كل الصناعات العراقية عدا النفط والموارد الطبيعية الاخرى، وهذا يناقض ما اقرته نفس سلطة الاحتلال (1945) عندما منعت أي استثمارات اجنبية في المانيا في المرحلة الاولى. هذا رغم التأكيد المشترك للمحتل بالنسبة الى المانيا والعراق على اهمية الديمقراطية والرأسمالية، ولكن يبدو انه جاء بمنهجين متعاكسين للمرحلة الاولى من الاحتلال في الحالتين. وهنا يلاحظ ان المحتل في العراق اكثر اهتماماً برأسمالية السوق، وليس الديمقراطية، على عكس ما اعتمده في المانيا.

***

      جاء تعقيب الدكتور سعدالله الفتحي متفقاً مع الباحث في استعراضه التاريخي لمسيرة النفط في العراق ودعى الى الاستفادة من دروسها. ويشير الى ان توقيع عقود الخدمة مع ايراب (و) تبروبراس والهند كان حقاً اختراقاً لجبهة الشركات حسب البحث، لكن انهاءها كان خطئاً كبيراً اضعف الثقة برغبة العراق التعاون مع الشركات العالمية من جهة وبقاء حقل (مجنون) العملاق المكتشف من قبل (بتروبراس) غير مطور حتى اليوم.

      كما ان من الضروري التميز بين الفترة 1980-1990 والفترة التي تلتها، ففي الفترة الاولى كانت اضرار الحقوق والمكامن محدودة لأن انتاج العراق كان متواضعاً ودون طاقته الانتاجية بسبب محدودية منافذ التصدير عدا السنتين الاخيرتين من هذه الفترة.

      ان التدهور الذي حصل بين 1990-2003 كان بسب استمرارية الانتاج بظروف في منتهي الصعوبة.. حسب الورقة البحثية، يضاف الى ذلك قلة الموارد واستنزاف المواد التشغيلية وصعوبة تدبيرها، علاوة على المركزية المفرطة في صنع القرار والاحباط الشديد لدى العاملين.

      ويعتقد الدكتور سعدالله ان اهداف الاحتلال متعددة ولا تقتصر على النفط فقط، بل ايضاً حماية اسرائيل واخضاع دول المنطقة كافة وتشتيت الشعب العراقي الى اعراق وفئات وتلك هي اكثر من النفط.

      ان الطريقة التي تدير سلطة الاحتلال لنفط العراق تقتصر على هدف واضح الا وهو تصدير اكبر كمية ممكنة من النفط وجمع ايراداتها تحت سيطرتها مع القبول باستيراد كميات كبيرة جداً من المنتجات النفطية الى العراق لزيادة استنزاف موارده. وفي حين توجد مؤسسة عراقية كفوءة للقيام باستيراد المنتجات ، يلاحظ ان جزءاً من هذه العملية تقوم بها شركات امريكية اصبحت فضائحها تزكم الانوف.

      كما ان خطط الاحتلال لإعادة اعمار الصناعة العراقية تظهر رسماً جميلاً ولكن على الورق فقط، كما انها تقتصر على الاضرار الناجمة عن الحرب والاحتلال دون فترة الحصار. وبعد مرور عام على الاحتلال لا زال هذا الهدف المتواضع بعيداً. والاخطر من ذلك ان المؤسسات العراقية لا تملك أي ميزانية للقيام بمبادرات ذاتية للاعمار او القيام بمشاريع تحديثية. "وإذا كنا ننتقد الصناعة العراقية في السابق على ممارسات حصلت في ظروف الحصار فما الداعي لاستمرارها حتى الآن؟ كما ان محاولة الإدارة الجديدة زيادة انتاج النفط الى ثلاثة ملايين برميل نهاية العام 2004 لا تعني تعافي هذه الصناعة، وان تحقيق اهداف قصيرة الامد على اهميتها يجب ان لا يتم على حساب التضحية بسلامة المكامن والحقول ومعداتها.

      ومع الاتفاق فيما ذهبت اليه الورقة البحثية عن الحالة البائسة للصناعة النفطية العراقية، فليس بالامكان استبدال ما تم بناءه في ثمانين عاماً، بل الافضل التوجه نحو خطة مفصلة للاصلاح والصيانة واستبدال بعض المعدات ومن خلال ادخال الاساليب الحديثة مرتبطاً ذلك بخطة بعيدة الامد لمصادر الطاقة واستهلاكها في العراق بهدف التحديث والترشيد وزيادة استهلاك الغاز على حساب النفط الخام ومشتقاته.

      وإذ يتفق المعقب مع الدكتور رمزي بأن الثروة النفطية "مهما طال الامد، ستعود الى السيطرة والملكية الكاملة لشعب العراق"، الا ان قناعته غير كافية لوقف موجة الخصخصة التي اطلقها الاحتلال، عليه فالمعركة مستمرة تتطلب مشاركة كل شعب العراق للدفاع عن مستقبله ومستقبل اجياله. ان خصخصة الموارد الطبيعية مرفوضة ومحرمة، وحتى بالنسبة لخصخصة بعض الخدمات والمنشآت الصناعية فلا بد ان يتحقق الامر ضمن ضوابط مالية واقتصادية تأخذ في الاعتبار المرحلة التي يمر بها شعب العراق وان تتم من خلال حكومة شرعية وبرلمان منتخب وفي اطار واضح من حيث التنظيم والاجراءات.

      وفي ختام تعقيبه، يطرح الدكتور سعدالله عشرة اقتراحات تالية:  

1- مطالبة المحتلين تحمل كافة نفقات الاعمار وعدم المساس بواردات النفط الحالية لأية اهداف لا تتفقق مع القانون الدولي ذات الصلة.

2- عقلنة الانتاج العراقي الحالي بحدود تسمح باجراء دراسات عاجلة للتثبت من المكامن وسلامة انتاجها بطاقات مثلى.

3- اعادة النظر بكافة الخطط المطروحة سابقاً بشأن امدادات الطاقة في العراق على ان تضمن الخطط الجديدة الاستغلال الامثل للغاز الطبيعي وتقليل كمية النفط الخام للاستهلاك الداخلي.

4- تحديث المصافي وزيادة نسبة التحويل فيها لانتاج المنتجات الخفيفة وتقليل فائض زيت الوقود على ان يتم ذلك قبل الشروع بانشاء مصاف جديدة.

5- الرفض المطلق لخصخصة المصادر الطبيعية وخاصة النفط والغاز مع ضمان ذلك في نص دستوري.

6- الشروع العاجل بتطوير حقول جديدة او تطوير مكامن اضافية في الحقول الحالية للتعويض عن الحقول القديمة التي تدعو الدراسات اراحتها.

7- المحافظة على عضوية العراق في اوبك وتعاونه مع اعضائها لزيادة الاستقرار في السوق الدولية.

8- تفعيل الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على النفط وان يتم الشروع باستغلال واردات النفط تدريجياً بمعزل عن الميزانية العامة.

9- ان يكون تطوير الحقول القائمة بالجهد الوطني مع الاستفادة من الشركات الاجنبية لتقديم خدماتها اينما تطلب الامر ذلك.

10- العمل على تطوير حقول جديدة بالتعاون مع الشركات العالمية وفق صيغ مقبولة ومتعارف عليها تتناسب وخصائص الحقول العراقية بشكل عام وخصائص كل حقل على حدة، وعلى ان يكون ذلك وفق اسس تنافسية تضمن افضل الشروط للعراق.

***

      وكما اقر المعقب السابق على اهمية ومنهجية الورقة البحثية، ابدى كذلك الدكتور عصام الجلبي تقديره لها، واتفاقه معها من حيث المبدأ، وركز في تعقيبه على جملة قضايا تالية:

1- لا يمكن تقييم صناعة النفط في العراق ومراحل نموها او تخلفها بمعزل عن المراحل السياسية التي مرّ بها العراق اعتباراً من تاريخ اكتشاف النفط في حقل كركوك/1927. فخلال فترة امدها حوالي 46 عاماً، كانت السنوات الفعلية التي تم خلالها بناء وتطوبر صناعة النفط محدودة جداً وبشكل خاص خلال الفترة 1973-1980. وبالتالي لا يمكن الحكم على الصناعة النفطية العراقية وطاقتها وامكاناتها بدون هذا السرد التاريخي.

2- منذ اوائل الثمانينات ولحد الآن وبسبب الحروب المتتالية والحصار وشحة الموارد المالية، فقد أُغلقت الابواب امام العراق لمواكبة التطورات التكتولوجية والتي حدثت خلال العقدين الماضيين، وبالتالي فقدت الصناعة النفطية فرصاً هائلة من اجل التطوير كماً ونوعاً.

3- القول بامكان العراق زيادة طاقته الانتاجية الى ستة ملايين برميل او اكثر، وحاجة تنفيذ هذا الهدف الى قيام حكومة شرعية وبرلمان منتخب، يعني انه من غير المتوقع وبأحسن الاحوال ان تزيد الطاقة الانتاجية بشكل رئيس قبل العام 2010.

4- ان السياسة الانتاجية الحالية تستهدف الصعود بالانتاج الى معدلات ما كانت عليه قبل الحرب وبغض النظر عما آلت اليه الحقول النفطية وما تعرضت له من اضرار على مدى سنوات الحصار. وان رفع معدلات الانتاج في هذه المرحلة من اجل تعظيم الموارد المالية يعتبر استمراراً لالحاق الضرر بالمكامن النفطية على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

5- لعبت الكوادر الوطنية دوراً مشرفاً يشهد له الخارج قبل الداخل.. تتعرض هذه الكوادر في ايامنا هذه لظروف عصيبة لم يسبق لهم ان مروا بها. فقد تم فصل ما يقرب من 1500-2000 شخص ومن مختلف الاختصاصات والمهن والرتب ضمن النهج الذي سار عليه مجلس الحكم بـ "اجتثاث البعث"..

6- شحة المحروقات للاستهلاك المحلي هي من عجائب الامور، فرغم ان العراق يمتلك طاقة نفطية تزيد على 700 الف برميل يومياً وتمثل ضعف معدلات الاستهلاك المحلي، الا ان البلاد اليوم تعتمد في معالجتها توفير الوقود على الاستيراد الخارجي ونظام التجهيز المقنن.

7- صدرت بعد الحرب مباشرة اصوات ناشزة دعت الى خصخصة النفط العراقي، الا انها تلاشت بعد ان اتضح استحالة التبشير بمثل هذه الافكار لتمسك العراقيين بالنفط كثروة وطنية خاضعة لسيطرة الدولة.

8- مع تأكيده على ضرورة اعادة تشكيل شركة النفط الوطنية العراقية، الا ان الدكتور الجلبي يرى ان لا ينم ذلك في هذه المرحبة، بل من قبل برلمان منتخب وحكومة منتخبة لضمان تحديد سليم لمهامها واهدافها وبما يتماشى والمصلحة الوطنية.

***

لمن جهازه لايدعم العربي اضغط هنا|

اضف تعقيبك هنا |

الاسم:

لمشاهدة تعقيبك اضغط  ( تحديث ) ، الموجود  في اعلى هذه الصفحة بعد ان تنهي عملية النشر