|
ندوة: احتلال العراق وتداعياته- عربياً
واقليمياً ودولياً.
مركز دراسات الوحدة العربية
عرض وتلخيص ومراجعة: د.
عبدالوهاب حميد رشيد
(12)
ترأست جلسة
بعد الظهر الاولى (10/3) الدكتورة نيفين مسعد،
وتضمنت واحدة من الاوراق الاكثر اهمية: البحث
الخامس عشر- الوحدة الوطنية- الدكتور جاسم يونس
الحريري، كما توفرت خمس اوراق تعقيبية عنها من
مجموع ست اوراق مثبتة في البرنامج النهائي
للندوة. اما جلسة بعد الظهر الثانية برئاسة
الاستاذ رياض الريس والذي تضمن بحثين: البحث
السادس عشر- مستقبل عروبة العراق.. (و) البحث
السابع عشر- الوضع الكردي في العراق: رؤية
مستقبلية مع الاوراق التعقيبية فهي غير متاحة
بعد..
بنى الدكتور
جاسم بحثه على فرضية مفادها: غلبة عناصر الوحدة
والتآلف الوطني العراقي على عناصر التشرذم
والفرقة والتناحر بما يمتن ويقوي ويرص صفوف
الجبهة الوطنية ويجعلها قادرة على مواجهة
الاحتلال الامريكي. وفي معرض اختباره لهذه
الفرضية، لاحظ ان اشكالية الوحدة الوطنية في
العراق بعد سقوط النظام السابق (9/4/2003)
تتداخل فيها عوامل شائكة عديدة في وقت واحد. وقد
عبّرت القوى والتيارات السياسية المعارضة للنظام
السابق عن ترحيبها بالتدخل العسكري الامريكي
باعتباره عاملاً مهماً لإسقاطه النظام ولكنها لم
تحسب تداعيات هذا الاحتلال الامريكي على الوحدة
الوطنية.. ( وهنا يتبين مرة اخرى قدراً واضحاً
من التعميم المخل- كاتب العرض)..
ومع سقوط
النظام حدثت تطورات سياسية عديدة تتقدمها ولادة
العديد من التنظيمات السياسية الى جانب تلك التي
اصبحت حاضرة في الساحة العراقية. ولعلّ ابرز
مواقفها: معارضتها للاحتلال في سياق بروز
المقاومة السلمية وعدم تصعيد الموقف الى
المجابهة والمواجهة العسكرية المباشرة مع سلطة
الاحتلال لقناعة هذه الاحزاب، انه لولا التدخل
العسكري الامريكي لما سقط النظام السابق، فضلاً
عن رؤيتها الخاصة للمقاومة تجاه هذا الاحتلال
والتي يجب ان تكون وفق تصوراتها اللجوء الى
الاسلوب التدرجي، أي الانتقال من الاسفل الى
الاعلى، وليس من الاعلى الى الاسفل. علماً ان
هذه الاحزاب مقتنعة بثقة من مغادرة قوات
الاحتلال للعراق، فإذا لم يكن في الفترة الحالية
فسيكون في المستقبل المنظور..
منذ بدء
الحرب الامريكية على العراق وسقوط النظام السابق
وحتى الآن تتعرض الوحدة الوطنية العراقية الى
نوعين من المعوقات يمكن ابراز ملامحهما:
الاول- العوامل
الداخلية وابرز تأثيراتها على الوحدة الوطنية:
* اصبحت الحياة
السياسية غارقة بكثرة الاحزاب والحركات بشكل جعل
الافق السياسي للمواطن العراقي في حالة من
الحيرة. ومنذ بداية الاحتلال يلاحظ ان تغيب
الشعب العراقي من المعادلة السياسية يكاد يكون
القاسم المشترك التي غفلت عنه القوى السياسية.
* يعتبر عدم
الاستقرار الامني وانفلاته عاملاً مؤثراً على
نفسية المواطن العراقي في انتمائه الى هذا الحزب
او ذاك يالعلاقة مع تخوفه من التناحر الحزبي
وامتداداته الى قواعد أي حزب او حركة سياسية.
* في ظل الفوضى
يتنامى الشعور الديني، وتصبح العشيرة والتكوينات
القبلية هي الملاذ الآمن الذي يحقق الحماية
والامن.
الثاني- المحددات
الخارجية، حيث تتوزع هذه المحددات كمعوقات
للوحدة الوطنية في عدة اتجاهات منها النوايا
التركية والايرانية، والتصورات الامريكية بشأن
الوضع العراقي. ويرى الباحث توافر توجهات لدى
الإدارة الامريكية لتقسيم العراق الى عدد من
الولايات والكانتونات العرقية والطائفية. من
جانب آخر لاحظ المراقبون انه في الوقت الذي
تزداد فيه الدعوة الى التسامح والتصالح الوطني
بين ابناء الشعب الواحد، تحرض صحف صادرة عن قوات
الاحتلال الامريكي على عدم التسامح وتدعو الى
مواصلة الانتقام من القوى التي تعتبرها موالية
للنظام السابق. كما افرز الاحتلال الامريكي عدة
تداعبات على البنية الاجتماعية، وتستخدم سلطة
الاحتلال وسائل عديدة تتقدمها: الاتصال برؤساء
ووجهاء واعمدة القوم في المجتمع العراقي لدراسة
توجهاتم.. استخدام اساليب الترهيب (قيام قوات
الاحتلال بعمليات اعتقال لأعداد غفيرة من
المواطنين العراقيين وزجهم في السجون دون ادلة
ملموسة على تورطهم في اعمال المقاومة، استخدام
اسلوب التصفيات الجسدية، اقتحام المساجد
والحسينيات في خطوات استفزازية).. اساليب
الترغيب (تقديم هدايا لبعض ائمة المساجد،
استخدام وسائل الاعلام المرئية والسمعية لتشكيل
خطاب دعائي في معركة كسب ود العراقيين، اعلان
الخارجية الامريكية عن برنامج لتشغيل مئات
العلماء العراقيين لمنعهم من عرض خدماتهم على
دول اخرى).. حل وزارات الدفاع والاعلام والاجهزة
الامنية وما نتج عنها من: خلق فراغ كبير في
الحياة الاجتماعية للعاطلين، فقدان الموارد
المالية الكافية لمعيشة عوائلهم، زيادة احتمالات
العنف سواء بالاشتراك في الجرائم او الانخراط في
فصائل المقاومة العراقية.. نمو التفكك الاجتماعي
وتنمية الحالات الشاذة كالبغاء وانتشار المخدرات
والمسكرات.
كذلك برزت
عدة مظاهر للوحدة الوطنية العراقية بعد الاحتلال
الامريكي كرد فعل طبيعي من الشعب العراقي الذي
ينظر الى الاحتلال نظرة تتسم بالريبة والقلق،
بما سيخلقه من نتائج وخيمة على وحدته الوطنية،
وهي تمثل نوع من المقاومة السلمية للاحتلال
بوسائل متعددة تتقدمها:
* تم تشكيل مجلس
شورى لأهل السنة والجماعة (يضم مندوبين عن مختلف
تيارات السنة من القوميات العربية والكؤدية
والتركمانية للمحافظة على الوحدة الوطنية بعد
زوال النظام السابق.
* توصل رجال دين
من الطائفتين الاسلاميتين الرئيستين الى اتفاق
بتشكيل مرجعية موحدة سميت "المجلس المشترك
لمعالجة القضايا الطارئة" يضم رموزاً او مرجعيات
من الجانبين لحل الازمات بسبب تطرف البعض من
الفئتين.
* تدارس رؤساء
عشائر في بغداد اجراءات من شأنها الحد من حالات
الانفلات الامني، ومواضيع تتعلق برفع المستوى
المعيشي للمواطنين، واشرف على عقد الاجتماع الذي
شارك فيه 40 من وجهاء المنطقة الديوان العشائري
الحوزوي.
* ادرك الرأي
العام اهمية الوحدة الوطنية كمتغير داخلي له اثر
على تماسك البنية الاجتماعية، وطريق يؤدي امتلاك
السيادة الوطنية. ولقد تعددت قنوات التعبير عن
ذلك ومن ابرزها الصحف العراقية.
* قررت مرجعيات
دينية من المذهبين الاسلاميين الرئيسين وقيادات
سياسية وقومية تشكيل وفد يتوجه الى كركوك
والمنطقة الشمالية لرأب الصدع، والوقوف بوجه
محاولات التفرقة، واثارة النعرات القومية
والطائفية في المدينة التي اندلعت فيها مصادمات
ادت الى وقوع قتلى وجرحى.
* دعا ممثل
السيستاني الى اجراء انتخابات عامة بشكل سريع في
العراق لتسليم السيادة للعراقيين، وهذا ما يؤكد
على دور المرجعيات الدينية لتعبئةالشعب العراقي
لمواجهة الاحتلال الامريكي.
وفيما يخص
الاحزاب العراقية الرئيسة التي تشكل اغلبية مجلس
الحكم من اسلامية وقومية كردية وتنوعات لغوية
ويسارية وليبرالية، خلص الباحث الى ان خيار
المقاومة المسلّحة لدى هذه الاحزاب مسألة مؤجلة
في الوقت الحاضر ويُستعاض عنه بالمقاومة السلمية
التي ستقرر الايام القادمة مدى فعاليتها من
عدمها.
واخيراً، في
رؤيته المستقبلية للوحدة الوطنية بعد الاحتلال
الامريكي، يقدم الباحث ثلاث مشاهد مستقبلية
للوحدة الوطنية في ظل الاحتلال الامريكي:
الاول- في حالة
بقاء حالة الاحتلال وغياب السيادة لفترة اخرى
قادمة: في هذه الحالة سوف تزداد العمليات
العسكرية ضد القوات الامريكية. ويزداد احتمال
انضمام اطراف جديدة للمقاومة في ظروف ولادة
العديد من المجموعات الاسلامية العراقية التي
حملت السلاح خلال ايام ضد الاحتلال مثل جماعة
الصدر التي لم تخضع للنظام العراقي السابق وليس
لديها استعداد للخضوع لسادة بغداد الجدد، واغفال
دور العلماء المسلمين التقليديين من المذهبين
امثال العلماء المنضوين في هيئة علماؤ السنة
والمراجع الشيعية في النجف بما فيهم السيستاني،
بعد ان اغفل مخططو الغزو في واشنطن وجهلوا حقيقة
دور ونفوذ وحيوية طبقة العلماء المسلمين
واستعدادهم للدفاع عن استقلال العراق واهدافه
المتمثلة في الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك
المجتمع العراقي ضد كل التيارات والمخططات التي
تستهدف تقسيمه الى قوى صغيرة مجهرية متناحرة
فيما بينها.
اما بالنسبة
لموقف الاحزاب السياسية سواء كانت الرسمية في
"مجلس الحكم" او خارجه، فإن الدلائل تشير الى
انها ستنتظر نتائج الاتفاق العراقي الامريكي في
الخامس عشر من ت2/2003 لتسليم السلطة الى
العراقيين ومدى وفاء الإدارة الامريكية في ذلك،
إذ قد تتجه تلك الاحزاب الى خيارات تتجاوز
المقاومة السلمية بعد مطالبة الجماهير لها بأداء
مسؤوليتها الوطنية للحفاظ على التماسك الداخلي
في ظل الوجود الامريكي.
الثاني- في حالة
رحيل الاحتلال مع امتلاك السيادة والاستقلال:
هذه الحالة تتعلق بدور المقاومة وفعاليتها ضد
قوات الاحتلال الامريكي وتوحيد اطياف الشعب
العراقي في موقف واحد يعزز الاواصر الوطنية
لمواجهة الاحتلال والحفاظ على الوحدة الوطنية
العراقية، فقد تزداد عمليات المقاومة اذا لم
يبادر الامريكان الى اتخاذ خطوات سياسية باتجاه
نقل السلطة الى العراقيين والتسريع في عملية
اعادة بناء العراق وسد الشروخ السياسية
والاقتصادية التي تمكن العمليات المسلّحة
للمقاومة العراقية من النمو والانتشار. وتدرك
قوات الاحتلال هذه المقاربة لكنها لم تضع في
حسابها الانسحاب من العراق بسبب ازدياد عمليات
المقاومة.
وحول دور
محتمل للامم المتحدة في ادارة انتقالية للعراق
بافتراض انسحاب القوات الامريكية منه فإن واقع
الحال يشير الى رغبة عراقية جامحة لتدخل الامم
المتحدة لمساعدة العراق للتخلص من الاحتلال
الامريكي لاستعادة سيادته، والحفاظ على وحدته
الوطنية كجزء من مسؤوليتها الدولية للحفاظ على
كيان الدولة- العضوة في المنظمة الدولية-
الراضخة تحت الاحتلال.
الثالث- في حالة
نقل السلطة الى حكومة مرتبطة بالاحتلال: وهو
المشهد الاكثر رجحاناً في المستقبل المنظور حسب
الاتفاق الموقع في 15ت2/2003 بين مجلس الحكم
وسلطة الاحتلال، إذ تؤكد الفقرة الثانية منه
بشأن الامن: ان تُعقد اتفاقات امنية تُغطي وضع
قوات الاحتلال في العراق وتمنحها نطاقاً واسعاً
من حرية العمل بحجة (ضمان سلامة وامن الشعب
العراقي).
ان عوامل
نمو هذا الاحتمال يبدو واضحاً.. نقل شكلي
للسلطة، انكفاء القوات الامريكية الى قواعد
عسكرية في مواقع محددة من العراق، محاول المجيء
بحكومة عراقية مرتبطة بالاحتلال توقع معه
(معاهدة دفاع مشترك) تسمح للولايات المتحدة
الاحتفاظ بتلك القواعد العسكرية، استمرار
المقاومة..
ويختتم
الدكتور جاسم بحثه بقوله: ان الوحدة لوطنية في
العراق تتعرض لأقسى امتحان عرفه تاريخ العراق
الحديث والمعاصر بفعل تأثير الاحتلال الامريكي
وافرازاته على الوضع الداخلي العراقي، رغم
تأكيده على ان عوامل التوحد المتمثلة بمجالات
التجاذب والاتفاق في سياق رؤى مشتركة اكبر من
عوامل التشتت والاختلاف العرقي والطائفي وفق
فرضية البحث.
***
في تعقيبه
على بحث: الوحدة الوطنية، ذكر الدكتور جواد
الخالصي، رغم ان العراقيين يرفضون تسمية يوم
9/4/2003 بيوم سقوط بغداد ويعوضون عن هذاالواقع
الاحتلالي بعبارة (سقوط النظام)، الا ان الجميع
يدركون ان الاحتلال صار واقعاً وكابوساً ثقيلاً
يجابهه العراقيون كل يوم، بعد ان سُلّمت بغداد
بشكل مخطط وبدون مقاومة من قبل الجهة الحاكمة
نفسها، ظناً منها ان هذا سيمنحها فرصة العيش
الآمن او التوافق المستقبلي مع الاحتلال.
ان
المقاومة الحالية هي لكل العراق، وان ظروفاً
موضوعية تجعلها في بعض الاماكن اوضح في اماكن
اخرى، مع رغبة الاحتلال عدم الاعتراف بتوسيع
دائرتها لتشمل العراق كله. ان الاحتلال اليوم
يتكتم على عمليات تجري في الحلة والسماوة والنجف
والبصرة.
ويستمر
الشيخ الخالصي بقوله: ان تسليم بغداد المرير
واستسلامه المذل المشين، يُصعد في تصوري صحة
نظرية المؤامرة، التي ستكون اشد حلقاتها اذا
اقنعنا الاعداء بأنه "لا وجود للمؤامرة". هذا
التوصيف من الضروريات لخلق الوعي والادراك بأن
من انهزم وسقط هو نظام لا ينتمي لشعب العراق، بل
هو جزء من تركيبة الهيمنة على المنطقة، جاء
بواسطة الاعداء وذهب بواسطتهم.. وهذا التوصيف هو
مقدمة لازمة لبحث طرق الخلاص من الاحتلال.
وفي حديثه
عن الوحدة الوطنية، يؤكد الشيخ الخالصي بقوله:
هناك شعب واحد في العراق يشعر بالانتماء لبلد
واحد، يُشارك في ذلك الكرد والتركمان وباقي
القوميات بالاضافة الى العرب، وهو امر محسوس الى
درجة تصاعد الانتماء القطري العراقي وتشدد البعض
فيه، وهذا ما سمعته من احد العناصر القيادية
الكردية البارزة لأكثر من مرة بقوله اننا
عراقيون ونحس بهذا الانتماء. ويمكن القول بشكل
اوضح ان مقومات الوحدة العراقية هي في مصاف
الدول الاولى. كما ان القوميات المتواجدة متآخية
ومتداخلة في العائلة الواحدة اضافة الى الاندماج
في المناطق المختلفة. ان اكبر مدينة كردية في
العراق من حيث عدد السكان هي العاصمة بغداد.
وينفي
الخالصي صحة ما قاله الباحث بأن نظام الحزب
الواحد ومركزيته جعلت العراق محمياً من التفكك
الداخلي. ذلك ان هذا النظام (الحزب الواحد) الذي
تحول الى نظام العائلة الواحدة والفرد الواحد،
كان السبب الحقيقي لبروز الازمات الموجهة لتفكيك
العراق.
وفي مواجهة
الاحتلال ومشاريع التقسيم والمحاصصة الطائفية،
هناك حاجة لبحث وتعميق المقومات الحقيقية للوحدة
الوطنية وتعزيزها والعمل من خلالها لتحقيق
الاستقلال واعادة بناء الدولة العراقية من جديد
وفق اماني وآمال اغلبية شعب العراق وإرادته
المستقلة والتي لخصها الشيخ الخالصي في ثلاثة
مقومات: اغلبية اسلامية (الدين) ساحقة (95%-98%)
توفر رابطة ايمانية عقائدية تتجاوز الحواجز
القومية والطائفية.. القومية، حيث تتميز
القوميات في العراق كونها متداخلة بعضها مع بعض،
اجتماعياً وثقافياً وسكانياً.. العشائر وهي
تشكيلات اجتماعية تمتد على طول المساحة العراقية
وعرضها، ولا توجد عشيرة عراقية الا وفيها فروع
طائفية-سنة وشيعة- كما ان العشائر متداخلة حتى
من الناحية العرقية..
***
بعد تعريفه بالوقة
البحثية التي استعرضت ابعاد الوحدة الوطنية
ومقوماتها الداخلية والخارجية على نحو واف وموسع
للمواقف والتوجهات الاساسية، لاحظ الدكتور
عبدالحسين شعبان في تعقيبه عليها، حاجة بعض
القضايا الى شيء من التدقيق، تتقدمها:
المسألة الاولى-
ما ورد في مقدمة البحث بشأن الترحيب بالتدخل
العسكري من قبل المعارضة للنظام السابق امر فيه
تعميم. ذلك ان العديد من القوى والشخصيات
الوطنية المعارضة كانت ترفض الحرب على العراق
والتدخل الامريكي وكانت منددة على الدوام
بالحصار الجائر ورفضت التعاون من القوى الاجنبية.
المسألة الثانية-
وهي عدم حسبان تداعيات الاحتلال بالنسبة للقوى
السياسية (المقدمة). وجهتي نظر في هذه المسألة:
الاولى ان بعض القوى العراقية وافقت على
الاحتلال او تعاطفت معه دون ادراك حقيقة تطور
الاوضاع.. والثانية بخاصة القوى المتعاونة مع
الاحتلال وهي قوى تأسست اصلاً بدعم الخارج ولم
يكن يهمها كثيراً ما سيحصل بعد الاحتلال طالما
انه يوفر لها امكانات المشاركة في إدارة شؤون
العراق وهو ما كان حلماً مستحيلاً دون الاحتلال.
المسألة الثالثة-
هي قول الباحث عدم استقراء هذه القوى لاحتمالات
بروز نزعات عرقية وطائفية. قد يكون الامر صحيحاً
عند الاخذ في الاعتبار حجم الاحتقان والاستقطاب
الحاصل طائفياً وعنصرياً، لكن الصحيح ايضاً ان
بعض هذه القوى يعتمد في وجوده على الطائفة او
المذهب او على الانتماء العرقي او الاثني.
والاحتلال يشجع التمترس الطائفي، المذهبي،
الديني، العشائري، الجهوي، المديني.. لأنه يريد
العراق "موحداً شكلاً" ليتمكن من حكمه، ومفتتاً
منقسماً على بعضه او عبر كانتونات وطوائف
وعرقيات في غياب الاعتبارات الوطنية او القومية
العربية وبخاصة محيط العراق العربي والاسلامي.
المسألة الرابعة-
التساؤل حول المقاومة، وهو تساؤل مشروع ومحل
بحث. وهنا ضرورة التميز بين المقاومة التي
تستهدف الامريكان وبين العمليات التي تمس
المدنيين العزل والتي الحقت اضراراً بالغة
بهيئات ومؤسسات دولية ودبلوماسية ودينية. كما ان
انفلات العنف في العراق والتصفيات خارج القضاء
واعتبار قانون الشارع هو الفيصل في حسم القضايا
المتنازع عليها، وتداخل جهات دولية واقليمية
والاجهزة المخابراتية التي من مصلحتها الابقاء
على الفلتان الامني بما فيها الموساد
الاسرائيلية.. كلها تدعو الى التدقيق ببعض
الاعمال لرؤية الدوافع والجهات المستفيدة من خلط
الاوراق.
المسألة الخامسة-
وهي مظاهر الوحدة الوطنية التي لخصها الباحث
الدكتور الحريري باعلان ممثلي السنة وبعض
الخطوات بين رموز المذهبين الاسلاميين الرئيسين
وحركة بعض العشائر.. وهذه يمكن ادراجها في بعض
التحركات السياسية التي لم تصل الى هدفها
المنشود. وهنا يمكن التوقف عند دور الرأي العام
الذي ظلّ مغيباً لسنوات طويلة وما زال ضعيفاً
وهناك تأثيرات كثيرة عليه.
ويرى
الدكتور شعبان ان هناك قصوراً كبيراً للنخب
الفكرية والسياسية، وانحساراً لدور المثقفين
الذين ظلّوا يلتهون لسنوات طويلة، اما خلف حكم
دكتاتوري او معارضات لم يكن امامها من بدّ سوى
التعاون مع الاحتلال (مؤقتاً) وضمن برنامج مرحلي
كما توضح تصريحات القيادات الحزبية. بينما انكفأ
القسم الآخر للتخلص من ملاحقات مليشيات قادمة
لتصفية الحساب، وآخرون عليهم الصمت لعدم قدرتهم
على المقاومة في ظل مشهد اختلط فيه الامر..
خصوصاً وان احزاباً ايديولوجية عريقة بررت
تعاطيها مع الاحتلال بحجة "الواقعية والاعتراف
بالامر الواقع".
ولكن من قال
ان الواقعية تقتضي التعاطي مع الاحتلال او مع
الشيطان الاكبر او الامبريالية؟ ومن قال ان مآرب
الامريكان هي الاطاحة بالنظام السابق وان دورهم
انتهى بذلك؟ ان ثمة ابحاث امريكية وتصريحات
معلنة تحدد ملامح ستراتيجية كونية طويلة الامد
لإعادة رسم خارطة الشرق الاوسط، والعراق هو
المدخل او البوابة لتحقيق هذه الستراتيجية، أي
انه البداية وليس النهاية.
ثم هل انجزت
الوطنية لـ "الاحزاب الثورية" التي تتلخص
بالتحرر والاستقلال وانهاء الاحتلال بجميع
الوسائل الممكنة وتعبئة الجماهير تبعاً لذلك. ثم
اين هي الوظيفة الايديولوجية، فحزب الدعوة يعتبر
الولايات المتحدة بلداً استعمارياً استكبارياً..
كيف نوفق بين الواقعية والوظيفة الايديولوجية،
وكيف نوفق بين وظيفة الحزب الشيوعي الايديولوجية
الهادفة الى القضاء على الرأسمالية، التي تشكل
الامبريالية اعلى مراحلها، وبين تحقيق المآرب،
بكل هذه الحيادية؟
ثمة خلل ما،
إما ان تكون هناك مراجعة على صعيد الفكر
وبالتالي التخلي عن الوظيفة الايديولوجية، عند
ذلك يمكن الحديث عن الواقعية وتحقيق المآرب او
التمسك بذلك، وهذا بحاجة الى مراجعة وإعادة نظر
ونقد واتخاذ موقف وتحمل المسؤولية؟ الاحداث هي
التي قد تؤشر لنا أي منهما سيغلب الآخر، خصوصاً
وان الوظيفة الوطنية تصبح مركز الاهتمام الحالي،
وبخاصة ان العراق تحت الاحتلال!! وهو ما ينبغي
معاينته.
المسألة الاخيرة-
هي ما ذكره الباحث كأحد اسس واركان الوحدة
الوطنية متمثلة في المواطنة والمساواة التامة،
وتقديم ذلك على حساب الانتماءات الجزئية، وهي
قضية محورية. ان حل مشكلة التميز ونبذ الطائفية
السياسية والغاء الاضطهاد القومي يساهم في تعزيز
وتعميق الشعور الوطني والانتماء للعراق كوطن
وليس كطائفة او مذهب او قومية او اثنية. وان كان
ذلك يحافظ على الخصوصية دون ان يلغيها بل يجعلها
في تفاعل في اطار المواطنة العراقية المتعددة
والمتنوعة والتي هي عنصر قوة وليس عنصر ضعف.
*** |