|
ندوة: احتلال العراق وتداعياته- عربياً
واقليمياً ودولياً.
مركز دراسات الوحدة العربية
عرض وتلخيص ومراجعة: د.
عبدالوهاب حميد رشيد
(13)
ناقشت الجلسة الصباحية
الاولى لليوم الاخير من الندوة (11/3) برئاسة
الاستاذ احمد نجيب الشابي بحثين هما: البحث
الثامن عشر- هيكل المقاومة: وسائل المقاومة-
الدكتور اشرف البيومي (استاذ الكيمياء الطبيعي-
جامعة الاسكندرية (و) نائب رئيس جمعية انصار
حقوق الانسان بالاسكندرية).. (و) البحث التاسع
عشر- المقاومة العراقية، ونوقشت في ورقتين،
احداهما قدمها الدكتور مثنى حارث الضاري (مدرس
في جامعة بغداد).. وقدم الاخرى الدكتور سلمان
الجميلي (مركز الدراسات الدولية- جامعة بغداد).
تشكل الورقة البحثية:
هيكل المقاومة- د. البيومي، محاولة لتقديم
برنامج شامل مركز لكيفية مواجهة الامبريالية
العالمية بصفة طويلة الامد. وتؤكد على ان احداث
11 أيلول/سبتمبر 2001 ليست بالنقطة الفاصلة كما
تصر الإدارة الامريكية ووسائل اعلامها، بل انها
اعطت فرصة ضخمة للمكارثيين الامبرياليين تحقيق
جدول اعمالهم في سياق محور اساس لهذه السياسة هو
تحويل التفوق العسكري الى اداة لتعويض الانحسار
الاقتصادي..(المكارثيين- نسبة الى جوزيف مكارثي
Mc Carthy, Josef
R-aymond- سيناتور
امريكي جمهوري (1946). لفت الانتباه اليه اوائل
الخمسينات عندما اثار ضجة مفتعلة ضد الكثيرين من
العناصر الوظيفية في المستويات الحكومية العليا،
موجهاً اليهم تهمة "الشيوعية الهدامة". نجح في
اعادة انتخابه للكونغرس (1952). واصبح رئيساً
للجنة برلمانية للتحقيق ضد العناصر الحكومية ممن
اتهموا بالشيوعية. ورغم فشله في اثبات اتهاماته
ضد أي من العناصر الحكومية محل التحقيق، الا ان
اساليبه دفعت الى ابعاد الكثيرين. عُرفت هذه
الفترة من الممارسات الارهابية بـ "المكارثية"
Mc Carthyism
.. كاتب العرض).
ويستند الباحث الى
كتابات سمير امين (2003) في دراسة خصوصية العالم
الرأسمالي الحديث متمثلة في: هيمنة العامل
الاقتصادي وتحويل السياسة الى اقتصاد مكثف
والثروة الى مفتاح السلطة بعد ان كانت السلطة
مفتاح الثروة. وان النسق الرأسمالي الحديث نسق
متقدم بالنسبة الى قوى الانتاج مثلاً، ولكنه
يتميز بتناقضات متعاظمة حسب دالة اسية ولا يمكن
ان نجد لها حلاً في اطار المتعلق الداخلي لهذا
النسق، وبالتالي فإن النظام الرأسمالي له نهاية
وليس اكثر خلوداً من انساق سبقته.
ويعرض الباحث لملامح
الامبريالية والنظام الرأسمالي العالمي من خلال
محورين: حدود القوة العسكرية ومآزق الامبريالية
الحالية.. وانكماش القوة الاقتصادية الامريكية..
والحصيلة شعور متوقع نتيجة غرور القوة المختلط
بعنصرية وممارسات الجيش الامريكي الوحشية التي
يمكن رؤيتها يومياً على شاشات التلفزيون متزامنة
مع مشاهد متطابقة لممارسات الجيش الاسرائيلي.
كما ان سياسات الإدارة
الامريكية تقوم على احتقار الآراء المخالفة
وإدانة اصحابها من منطلق: من ليس معنا فهو
ضدنا.. التخلص من "محور الشر".. هذه السياسية
تتسم باصولية غبية مغرورة ومزيفة تحتقر كافة
الآراء الاخرى. يضاف الى ذلك ان التوسع العسكري
يقابله تقليص الانقاق الاجتماعي واتساع الفجوة
الطبقية عالمياً ومحلياً لصالح الاغنياء وعدم
تحسن الاحوال الاجتماعية لأغلبية الناس مقابل
تضخم ارباح الشركات الكبرى.
وتتلخص المكونات
الاساسية للإدارة الامريكية وحلفائها في: غرور
القوة والاعتماد على القوى العسكرية في سياق
الدعم الهائل للتكنولوجيا العسكرية.. عدم
الاكتراث بالخسائر البشرية.. ارتباط ذلك بعنصرية
فجة متأصلة.. الكذب الغوبلزي (الذي طوروه وزير
اعلام هتلر Gobells)..
الجشع في تجميع الثروة دون أي اكتراث بالمعاناة
المعيشية للشعب الامريكي.. قصر النظر وخداع
النفس.. العسكرة لتغطية الاحوال السيئة
للاقتصاد.
ان هدف الامبريالية
وصنيعتها الصهيونية هو الهيمنة على مقدرات الامة
العربية واستغلالها وما يرتبط ذلك بتعميق هوة
التخلف والتدهور العربي بما يتطلبه من ضرورة ضرب
واسقاط انظمة عربية تتصف بالتبعية السياسية
والامنية والاقتصادية للقوة المهيمنة.
وينمو في هذا المناخ
فساد مريع واخلاقيات تغذي حالة التدهور والتبعية
وتعميقها. يساعد في كل هذه الامور شريحة من
"المثقفين" الانتهازيين. وهذا يتطلب تحقيق امرين
مترابطين: تحليل الواقع بكل شجاعة.. وتحديد
مجالات العمل وآلياته. وهنا لا بد من العمل على
توفير عدد من الشروط التصحيحية، تتقدمها: نبذ
الاوهام بضمنها ما قد يعتبره البعض من
المسلمات.. التخلي عن افتراضات غير صحيحة ومعوقة
بما في ذلك نبذ الثنائية والحذر من الوقوع في
فخها.. تحديد الاهداف على المستويات المختلفة..
تناسق بين الاهداف والوسائل.. المرجعية المعرفية
المعتمدة على الحقائق تحاشياً للوقوع في سفاهات
مضرة.
واخيراً، فإن مجالات
المواجهة والعمل تتلخص في: الدعم المعنوي
للمقاومة العراقية وإدانة الاعتداءات على
المدنيين الابرياء ومحاولات تشويه المقاومة،
والتنديد بالاحتلال والمتعاونين معه.. مقاطعة
آليات الاحتلال.. العمل الجدي على تشكيل تحالفات
وجبهات محلية لمقاومة الامبريالية بما في ذلك
الالتزام بالاولوية الوطنية وليست الحزبية..
الاشتراك في تحالفات او شبكات مناهضة
للامبريالية عالمياً.. فضح جرائم الحصار
والعدوان على العراق، كما في استخدام اليورانيوم
الناضب ضد البلاد.
***
عالجت الورقة البحثية
الاولى (المقاومة العراقية) للدكتور مثنى حارث
الضاري، نشأة المقاومة والقوى الداخلة فيها
والمكونة لهيكلها العام ، اضافة الى مستقبل
المقاومة. ويبدو ان اواخر نيسان/ابريل 2003 شهدت
باكورة الاعمال المسلحة ضد قوات الاحتلال، فيا
شهدت الاسابيع التالية الظهور الاول للبيانات
التي تتبنى بعض الاعمال المسلّحة ضد القوات
الامريكية والبريطانية، ثم توالت بيانات عديدة
لجماعات متعددة. وهنا يلاحظ ان ظهور هذه الافعال
المقاومة جاء مبكراً جداً وفق كل الحسابات.
يقول الباحث التونسي
توفيق المديني في حديث لجريدة الراية القطرية عن
المقاومة العراقية "هي تعتبر مقاومة مبكرة جداً
في انطلاقتها". ويقول الكاتب المصري فهمي هويدي
"كما سقط النظام السابق بمنتهى السهولة، فإن
المقاومة ظهرت بمنتهى السرعة، وتلك بدورها
مفاجأة اخرى تمثلت في ان حس المقاومة تفوق على
حس الانتقام".
من السمات الاخرى
الملاحظة على نشأة هذه المقاومة هي سرعة تحولها
من شكل الى آخر وانتقالها من حال الى آخر. بدأت
مجموعات صغيرة محدودة العدد تجمع السلاح المتروك
في ارض المعركة ثم تنتقل الى طور البحث عن
السلاح المخزون في مخازن الجيش، ثم تكبر هذه
المجموعات لتتصل ببعضها وتتسع حجماً ونوعاً،
وتعمد الى تحوير بعض الاسلحة وتطوير قسم آخر.
ويشرح احد المتخصصين من
العسكريين هذا التطور بقوله: "انتقلت الانتفاضة
العفوية في مواجهة قوى الاحتلال وتحولت هذه
الانتفاضة الى مقاومة حقيقية لاحتلال الانكلو
امريكي سواء بهدف التحرير او بهدف الانتقام
للشرف والحفاظ علىالعرض، او بهدف اظهار الشعور
الحقيقي تجاه التواجد الاجنبي على ارض العراق".
هناك تفسيرات عدة
لنشأة وظهور المقاومة، منها تفسير دفاعي يحاول
ارجاع المقاومة الى خلفية ما، كما في الصاق
المقاومة بشخص رئيس النظام السابق، وهو – حسب
الباحث- اوصاف أُلصقت بالمقاومة جزافاً ودون اية
ادلّة واضحة.. التفسير الثاني يرجع المقاومة الى
قانون الفعل ورد الفعل، بمعنى ان المقاومة هي
ردة فعل مفهومة على تجاوزات الاحتلال وعنفها غير
المبرر في التعامل مع العراقيين.. وفي رأي
الباحث، يبقى التفسير الثالث هو الاقرب الى واقع
ما يحصل في العراق، متمثلاً في ان اساس المقاومة
انطلقت وفق حسابات (شرعية) بحتة تتمثل، حسبما
افتى به عدد من علماء العراق في الخارج قبل بدء
الحرب على العراق، ثم اضيفت اليه الابعاد
الوطنية وردود الافعال ضد تجاوزات المحتل.
ويتعزز هذا التفسير ويزداد قوة- حسب الباحث-من
خلال الثقل الكبير للتنظيمات الاسلامية في حركة
المقاومة، وتصريحها المستمر بالاصل الشرعي الذي
تستند اليه مقاومتها للمحتل.
اما القوى الداخلة في
المقاومة فهي: ان اغلب قوى الشعب العراقي ممثلة
في التنظيمات المقاومة، وان عدداً من القوى غير
المشاركة آخذة في تغيير مواقفها يوماً بعد يوم،
بتأثير عوامل متعددة تتقدمها: عدم وفاء الاحتلال
بوعوده وتزايد اعمال التنكيل بالمدنيين والقتل
العشوائي.. وان القوى الاسلامية والوطنية هي
الاظهر في ساحة المقاومة.. وان هناك خلطاً
واضحاً في الكتابات الصادرة حتى الآن عن
المقاومة، فرغم انها اتفقت على تشخيص اهم
تنظيمات المقاومة في: جيش محمد.. المقاومة
الاسلامية الوطنية.. انصار الاسلام.. انصار
السنة، ومع ان ما يلاحظ على هذه التنظيمات غلبة
البعد الاسلامي يليه البعد القومي الوطني، الا
ان هذه الكتابات اختلفت في التسميات احياناً من
حيث الجمع او التفريق.
بينما لاحظ الباحث على
تنظيمات المقاومة ان بعضها جاءت وقتية واختفت،
وهناك بعض المجموعات من الجيش العراقي السابق،
وتنظيمات مناطقية (مثل مجاهدو حديثة)، اضافة الى
وجود تكرار في بعض اسماء التنظيمات التي هي في
الحقيقة تنظيم واحد كما في "المقاومة الاسلامية
الوطنية" التي وردت تحت اسماء عديدة.
ولاحظت الورقة البحثية
امكانية اتساع نطاق المقاومة بفعل عوامل عديدة
اهمها: ازدياد الضغط الامني للقوات الامريكية
وسياساتها الجائرة التي ستعمل على تفجير مرجل
الغضب العراقي في مناطق كثيرة من البلاد، بما
فيها اسلوب المداهمات الليلية وتفجير الابواب
بالديناميت واقتحام المنازل بالشراسة.. تردي
الاوضاع المعيشية وتفاقم حالة البطالة .. تنامي
ثقافة المقاومة لطرد المحتل.
وتختم الورقة بمحاولة
مناقشة مستقبل المقاومة التي ترتبط بأهداف
الجماعات المكونة لهذه المقاومة، حيث لاحظت وجود
هدف مشترك في حده الادنى بين الجماعات المسلّحة،
وهو تحرير العراق من الاحتلال الامريكي
البريطاني. وفي سياق وعي بعض الجماعات المنخرطة
في المقاومة بطبيعة الظرف العام، هو توجه
بالاقتصار على الدعوة لهدف التحرير دون التطلع
الى فرض نظام حكم (اسلامي) معين. ويعبر ميثاق
المقاومة الاسلامية الوطنية عن ذلك بدعوته الى:
بناء دولة عراقية على اساس "المبادئ السامية
للدين الاسلامي الحنيف القائمة على تطبيق
العدالة وعدم التميز على اساس اللون او العرق او
الدين او المذهب". اما طريقة تحقيق هذا الهدف في
نظر الجماعة "ان يكون العراق دولة مستقلة وان
يلعب دوراً فاعلاً في محيطه العربي والاسلامي
والدولي بما يضمن الاستقرار والسلام لكل ابناء
الانسانية". بينما تضمن البيان الاول لـ
(القيادة العامة للجيش الوطني لتحرير العراق):
"رغبة في اكمال الواجب الوطني المقدس وارضاء
الله سبحانه وتعالى وخدمة لشعبنا العراقي
المفدّى، نعلن الاهداف الرئيسة لهذا الجيش وهي:
مقاومة الاحتلال اينما وجد وطرده من البلاد
وتحرير كامل التراب العراقي... العمل على اقامة
عراق حر ديمقراطي موحد بعيد عن الطائفية
والعنصرية والمذهبية، ويكون الاسلام الدين
الرسمي للدولة مع احترام جميع الاديان السماوية
والمعتقدات الاخرى".
***
اعتمدت الورقة الثانية
لـ: المقاومة الوطنية (البحث التاسع عشر) التي
قدمها الدكتور سلمان الجميلي على دراسة تحليلية
لعينة عشوائية من شهداء المقاومة وفي مناطق
مختلفة معروفة بمقاومتها للاحتلال، فضلاً عن
تحليل الدوافع المحركة لهم والبيئة التي يعيشون
فيها والاشكاليات التي تواجه المقاومة. وهنا
استند البحث الى اربعة محاور: الدوافع التي
استندت اليها المقاومة.. الاشكاليات التي تواجه
المقاومة.. هوية المقاومة.. مستقبل المقاومة.
اما اهم آراء ونتائج
البحث وبإيجاز شديد، فترى ان اكثر الدوافع التي
استندت اليها المقاومة هي الدوافع الدينية
والدوافع الوطنية. بينما تلخصت الاشكاليات التي
تواجه المقاومة في: اشكالية عدم وجود برنامج
سياسي واضح محدد، ووجود اطياف متعددة داخل
المقاومة بحيث من الصعب اختزالها بمشهد واحد،
فهناك مقاومة اسلامية، ومقاومة وطنية، ومقاومة
اتباع النظام السابق.. عدم افراز قيادات ميدانية
او سياسية معلنة- اشكالية الجدل بين التيار
المؤيد للعمل المسلح وبين المعارضين له.. واخيرا،
اشكالية الخلط بين المقاومة المسلحة وبين
العمليات الارهابية.
وفيما يخص هوية
المقاوية المسلّحة، يحتدم الجدل على ان المقاومة
في العراق هي مقاومة اسلامية، مقابل الرأي الآخر
على ان المقاومة وطنية احياناً تتداخل الدوافع
لتشكل مقاومة وطنية اسلامية. وتتوزع المقاومة
الاسلامية بين مجموعتين: الاولى جماعات
المقاتلين والمجاهدين العرب والاجانب بما فيهم
اتباع القاعدة، وتشكل نسبة هذه المجموعة بحدود
5% مقابل المقاومة الاسلامية العراقية.
تؤكد الشواهد على ان
المجموعة الثانية التي هي المقاومة الاسلامية
العراقية تشكل الغالبية، وتتأكد هذه الحقيقة من
ان 80% من الشهداء العراقيين هم من الملتزمين
دينياً، وفي الغالب مشهود لهم بحسن السيرة
والاخلاق، بينما متوسط اعمارهم بحدود 24 سنة، أي
انهم تلقوا اغلب تعليمهم وتربيتهم خلال فترة
التسعينات من القرن الماضي. يضاف الى ذلك وجود
اكثر من ثمانية عشر الف معتقل 90% منهم من السنة
وان التهم الموجهة اليهم هي الاشتراك في اعمال
مقاومة الاحتلال او التحريض عليها، وان 70% منهم
تصنف ضمن المجموعة الثانية (المقاومة الاسلامية
الوطنية)، بينما يتوزع العسكريون بين ابناء
القبائل وكبار البعثيين ومسؤولين في النظام
السابق، على النسبة المتبقية، ومن بين وهؤلاء
الكثير من علماء الدين البارزين في مناطقهم
واطباء ومهندسين واساتذة جامعيين وشيوخ عشائر.
ويخلص الباحث الى ان
أي تصور مستقبلي للمقاومة العراقية يتطلب النظر
اليه من خلال الشاهد المستقبلية الثلاثة التالية
المحتملة لحالة الاحتلال في العراق:
الاولى- استمرار الاحتلال،
ويرتبط هذا المشهد في ضوء معطيات الساحة
العراقية المتقلبة. وقد يكون غياب الامن احد
الاسباب التي تستدعي بقاء قوات الاجتلال في
العراق حتى في حالة تسليم السلطة الى مجلس وطني
عراقي، وهذا المشهد سيقود الى احد احتمالين:
اتساع نطاق المقاومة في ظروف فشل الاحتلال تنفيذ
وعوده وبما يقود الى افراز قيادة وتنظيم
للمقاومة قد تصل الى تشكيل جبهة وطنية عريضة
تكتسب اعتراف ودعم عربي ودولي.. واذا لم تتسع
المقاومة وبقيت محصورة في مناطق معينة في ظروف
نجاح المحتل توظيف عناصر موالية في الداخل للحرب
بالنيابة عنها ، سيقود ذلك الى اغراق البلد في
فتنة داخلية ضمن ستراتيجية انتاج الفوضى
وإدارتها بما سيكون لها من آثار سلبية على الشعب
العراقي.
الثانية- انسحاب قوات
الاحتلال وتسليم السلطة للعراقيين، واذا حصل هذا
الاحتمال فسيكون بشكل نسبي قد لا يغير من حقيقة
الاحتلال الذي يتحول الى علاقة تحالف. اما
المقاومة وفق هذا المشهد فسيكون: اما انكفاؤها
وتحولها الى العمل السياسي، على خلفية رصيدها
المشرف في نظر اكثرية شعب العراق وبالتالي سيكون
لها وزنها في طرح مطاليبها باتجاه مستقبل دور
اكبر بروزاً كقوة سياسية.. او احتمال تبلور
التيار المتشدد الاكثر تطرفاً، حيث ينظر الى كل
من يتعامل مع قوات الاحتلال على انه عميل
ومتعاون ويجب جهاده، بما في ذلك الحكومة التي
ستكون صنيعة للاحتلال. وقد تكون الوظيفة الاولى
للحكومة المقبلة محاربة هذا التيار، وسيكون
اقتراب القوى السياسية الممثلة في الحكومة،
وابتعادها عن الولايات المتحدة تبعاً لموقفها من
هذه الجماعات او التنظيمات.
الثالثة- تسليم السيادة
للعراقيين وانسحاب القوات المحتلة الى قواعد
عسكرية، وهذا المشهد هو الاكثر احتمالاً ويرتب
احتمالين: اولهما استمرار عمليات المقاومة بشكل
نوعي ومنظم من خلال استهداف القواعد العسكرية
والسفارات والؤسسات والاشخاص الاجانب.. وثانيهما
تحول المقاومة الى قوة لا يمكن تجاوزها وبالتالي
ستضطر قوات الاحتلال بواسطة بعض القوى السياسية
الى فتح قنوات اتصال معها ومساومتها في بعض
المطالب مقابل تهدئة الاوضاع، وهذا سيكون
اعترافاً ضمنياً بالمقاومة وبما يؤدي الى جنوح
المقاومة للاعتدال في مطالبها وبجعلها ترضى ببعض
المكاسب التي تتوافق مع موازين القوة على الارض.
***
عقب الدكتور عبدالاله
بلقزيز بصورة مشتركة على ورقتي: المقاومة
العراقية للدكتور مثنى حارث الضاري والدكتور
سلمان الجميلي، ولاحظ الدكتور بلقزيز ان كثافة
عمليات المقاومة الوطنية العراقية وما ينجم عنها
من نزيف بشري ونفسي في صفوف جيش الاحتلال، تكشف
عن ان ستراتيجية المقاومة رُتبت بعناية وبتخطيط
مُحكم حتى قبل ان يقع فعل الاحتلال على العراق.
فالمقاومة لم تنتظر طويلاً كي تجهز نفسها. لقد
فصلت ميلادها عن سقوط بغداد اياماً معدودات فقط.
والارجح من افادات العمليات نفسها انها تضم
مقاتلين محترفين متمرسين على القتال والتخفي،
وان طريقة مقاومتهم تحتاج الى تخطيط ودعم لوجستي
لا تقوى على توفيره وتقديمه الا اجهزة عالية
الكفاءة والتنظيم.
***
واشار الاستاذ صباح
ياسين في تعقيبه الى ان المقاومة نهضت في ظروف
بالغة التعقيد، واثبتت وجودها دون ان يسبقها
ضجيج اعلامي، بل كانت عملياتها تعلن عن وجودها،
وتتسع قواعدها ارتباطاً بروحية الانتفاضة والرفض
للتواجد الاجنبي، وهي بذلك اسست كيانها القتالي
اولاً وبالتالي اضحت هويتها معبرة عن فعلها
الميداني وتأييد الشعب العراقي لها. من هنا لا
يرى ان هوية المقاومة يشوبها فعلاً الكثير من
التعقيد والخلط الناجم عن تعدد الجهات..
من الطبيعي ان تقوم
المقاومة بانشاء خلايا وفصائل في كل مدن العراق
اولاً انطلاقاً من صحوة الضمير الوطني لمواجهة
فاجعة الاحتلال، وانه امر طبيعي ان تلتقي تلك
الخلايا لاحقاً وتأخذ مرجعيات مختلفة، وهذه
الحالة تتماثل، بعامة، مع تجارب نشوء وتطور عمل
المقاومة: العمل القتالي يلحقه العمل السياسي
وهكذا..
ان الاصطفاف الشعبي
القائم الآن على نحو مواز مع الاحتلال، أي بعيدا
عن الانتماءات الجزئية، يعني اما ان تكون
مقاوماً (المقاومة بكل الوسائل الممكنة) واما ان
تكون مع الاحتلال.. وهذه المقاومة ستفرز موقفها
وفلسفتها وتنظيرها، كما ستفرز تحالفاتها
واتفاقاتها المرحلية والمستقبلية، وبذلك تأخذ
شكلها السياسي لاحقاً.
ليس هناك مقاومة وطنية
في التاريخ الحديث يحكمها تعقيد داخلي واقليمي
وحتى دولي مثل المقاومة العراقية. فهي تنشط وسط
حالة من الفوضى السياسية وترد في الحياة
الاقتصادية، بالاضافة الى تعتيم اعلامي ومحاولة
تشويهها وخلطها بـ "الارهاب" لتنكر عليهم حقهم
في الشهادة والتضحية ومقاومة محتل لأرضهم.
ليس لأحد الحق في
مصادرة حق العراقيين بالانتماء الى المواطة/المقاومة،
وليس مهماً ان تكون مرجعية المقاومة دينية او
قومية او يسارية.. المهم ان تكون المقاومة موحدة
في هذه الظروف التي تستلزم عملاً وطنياً وموقفاً
شعبياً يرتفع فوق كل التباينات الوطنية العراقية
تحت شعار جامع وشامل: انا عراقي.. انا مقاوم..
اذن انا موجود.
*** |