|
ندوة: احتلال العراق
وتداعياته- عربياً واقليمياً ودولياً.
مركز دراسات الوحدة العربية
عرض وتلخيص ومراجعة: د.
عبدالوهاب حميد رشيد
(8)
ناقشت الجلسة الصباحية
الثانية (9/3) برئاسة الدكتور كمال خلف الطويل،
البحث السابع: اسرائيل في ضوء نتائج الحرب-
الاستاذ بلال حسن، وكان المعقبان: الدكتور نواف
الموسوي (و) الاستاذ عبدالوهاب بدرخان خان.
وسيتم عرض هذه الاوراق حال الانتهاء من انجازها
ووصولها.
كان موضوع جلسة بعد
الظهر الاولى- برئاسة الاستاذ عبدالحميد مهري-
البحث الثامن، متضمناً ورقتين بحثيتين بواقع
ثلاث اوراق تعقيبية. كان موضوع الورقة الاولى:
النتائج والتداعيات تركياً- الدكتور محمد نور
الدين. بدأ الباحث بمتابعة الاسباب التي تجعل من
العراق ذات اهمية اولوية لتركيا:
1- ان منطقة الموصل- كركوك
الواقعة ضمن حدود الجمهورية العراقية كانت ضمن
خريطة تركيا التي أُجبرت على التخلي عنها رسمياً
في معاهدة حزيران/يونيو 1926 بين تركيا والعراق
وبريطانيا. ولا زال الجانب التاريخي من الموصل-
كركوك لم يُغادر خلفية التفكير السياسي التركي،
بل يتم "ايقاظه" تبعاً للتطورات ذات الصلة.
2- ان تركيا بلد غير نفطي، أي لا
تملك نفطاً او غازاً طبيعياً. وتكلف الفاتورة
النفطية عبئاً ثقيلاً على الخزينة التركية.
وتشكل غنى منطقة الموصل- كركوك بالنفط حافزاً
لاهتمام تركيا بهذه المنطقة.
3- رغم ان اساس السياسة الخارجية
التركية يقوم على شعار: سلام في الداخل، سلام في
الخارج، الا ان استخدام الاقليات ذات الاصل
التركي في الدول المجاورة لتركيا يمثل "سياسة"
تركية. ووجود كتلة تركمانية في منطقة كركوك
والغنية بالنفط اصلاً- وبحدود 1400 ألف نسمة-
عامل آخر للاهتمام بالوضع الآخر.
4- ان احد الهواجس المركزية لدى
النظام التركي هو هاجس التفكك من الوجود الكردي
المكثف جنوب شرق تركيا (10-12 مليون) والثورات
التي خاضوها منذ العام 1925. كما ان الهاجس
الاكبر هو وجود كتلة كردية كبيرة (5 مليون) شمال
العراق، والخشية من هذه الكتلة تنبع من عاملين:
اولهما ان منطقة تواجد اكراد العراق محاذية، بل
امتداد لمنطقة تواجد اكراد تركيا.. ثانيهما ان
اكراد العراق قطعوا شوطاً كبيراً في سبيل تجسيد
هويتهم الثقافية وشخصيتهم القومية منذ اتفاق
الحكم الذاتي في مطلع السبعينات. هذا الواقع
يثير بالتأكيد تركيا ويحرك هواجسها ومخاوفها.
5- بعد ان خاضت انقرة حرباً
ضروساً ضد حزب العمال الكردستاني كلّفت حوالي
ثمانية مليارات دولار سنوياً وسقوط ما لا يقل عن
30 ألف قتيل مدني وعسكري تركي ثمناً لإخمادها،
استقرت قواعد بقايا الحزب في شمال العراق،
وتركيا معنية من هذه الزاوية مباشرة بما يجري في
العراق.
6- يمثل العراق اهمية كبيرة
للاقتصاد التركي، اذ بلغ حجم التجارة التركية مع
العراق قبل حرب الخليج (1991) نصف حجمها الكلي
مع جميع الدول العربية، وتكبدت تركيا خسارة
قاربت 35 مليار دولار نتيجة الحصار. وتأمل تركيا
ان تلعب دوراً اقتصادياً واسعاً في العراق بعد
ان تم رفع الحظر الاقتصادي عنه.
7- اهتمام تركيا بالقدرة
العسكرية العراقية لكون العراق جار لتركيا ويؤثر
وضعه العسكري عل امنها القومي.
ارتسمت على امتداد
السنوات العشر الماضية- بعد حرب الخليج الثانية
وتغير الخريطة العراقية وظهور معادلات داخلية
واقليمية ودولية جديدة- مجموعة من "الثوابت"
التركية تجاه الوضع في العراق، تشكل جامعاً
مشتركاً بين مختلف القوى السياسية والعسكرية
والاقتصادية التركية: الحفاظ على وحدة الدولة
العراقية.. منع اقامة دولة كردية مستقلة في شمال
العراق.. المطالبة بمنح تركمان العراق- منطقة
كركوك- حكماً ذاتياً وان لا يكونوا تابعين
لمنطقة الحكم الذاتي الكردي المحتملة في
المستقبل حتى يبقى التركمان- جيباً تركياً- داخل
العراق.. منع تشكيل العراق تهديداً مستقبلياً
لتركيا، فهي مع عراق موحد وضد عراق قوي.. عدم
السماح لإيران ممارسة أي نفوذ داخل العراق.
كانت المعادلة التركية
عشية الحرب ضد العراق تقوم على ركيزتين: السعي
لمنع نشوب حرب، وبالتالي تجنب حصول تغيير جوهري
في التوازنات القائمة.. وفي الوقت نفسه التدرج
في التعاون مع الإدارة الامريكية تجاه العراق
تبعاً لمدى ارتفاع او تراجع نسبة امكانية حصول
الحرب، بحيث اذا وصلت الامور الى نقطة الحرب
تكون تركيا داخلها.
وفي مجال سعي تركيا
منع الحرب اتخذت جهودها اشكالاً متعددة: عدم
التحرك الا ضمن الشرعية الدولية.. التنسيق
الاقليمي.. امتناع تركيا المشاركة في الحرب..
مماطلة انقرة بعد ذلك في الرد على المطالب
الملّحة من جانب الإدارة الامريكية بين 11-15
آذار بذريعة ضرورة موافقة البرلمان.. رفض
البرلمان التركي في الاول من آذار/مارس 2003
مذكرة الحكومة بتمركز قوات اميركية عددها 60-70
ألفاً على الاراضي التركية وفتح جبهة حرب تشارك
فيها تركيا بأعداد لا تقل عن مائة الف
جندي..
اثارت المطالبة
الامريكية لتركيا فتح جبهة شمالية هواجس تركيا
للمطالبة بضمان: محافظة امريكا على وحدة
العراق.. معارضة اقامة دولة كردية مستقلة..
مساعدة تركيا لأية خسائر محتملة من جراء الحرب..
ملاحظة امريكا الوضع الخاص للتركمان.. ضمان
امريكا مساعدات صندوق النقد الدولي.
فشلت الحكومة التركية
تسويق مذكرتها في البرلمان لفتح جبهة شمالية
لأسباب تتقدمها: عدم حصول الاتراك على "ضمانات"
كافية بشأن مستقبل الاكراد ودورهم في عراق ما
بعد النظام السابق.. لغة استعلائية امريكية مسّت
الحساسية التركية في التعامل، بتصويرها كتاجر لا
يهمه سوى كسب المال.. الانطباع الذي اعطاه اركان
الدولة جميعهم من انهم غير مقتنعين تماماً
بالمشاركة التركية.. الحملة التي تزعمها رئيس
الجمهورية ورئيس البرلمان بأن اية مشاركة تركية
من دون شرعية دولية هي انتهاك للدستور.. معارضة
94% من الرأي العام التركي المشاركة التركية في
الحرب.. مراهنة تركيا على انه لا حرب من دونها.
رفعت تركيا شعارات
عديدة اطلقت عليها صفة "الخطوط الحمراء" ووردت
بشكل او بآخر في الاتفاقات التي وقعت مع
الولايات المتحدة ولم تنفذ بسبب رفض البرلمان
التركي المشاركة في الحرب. وفي المحصلة العامة،
خرجت تركيا خاسرة، من حرب لم تشارك فيها، ووجدت
نفسها خارج المعادلة العراقية بصورة شبه
كاملةعلى الاصعدة العسكرية والسياسية
والاقتصادية.
تركت الحرب العراقية
انعكاساتها على مجمل الوضع الجيوبوليتكي لتركيا،
إذاصبحت خارج المعادلة العراقية وخارج التأثير
المباشر في التوازنات العراقية الداخلية. قابل
ذلك صعود بارز للدور للدور الايراني والشيعي في
العراق. وفقدت تركيا، باندلاع الحرب من دونها
وبنجاح امريكا فيها، قيمتها العسكرية بالنسبة
للولايات المتحدة التي تجد الآن في العراق قاعدة
ارتكاز عسكرية اساسية عوض القواعد العسكرية
الموجودة في تركيا. الا ان الصدع الذي اصاب
العلاقات التركية- الامريكية لا يحتم انقطاعها،
فالحاجة المتبادلة لكل طرف في اكثر من قضية
ومكان من المنطقة والعالم تجعل من المبكر الحديث
عن "انتهاء" هذه العلاقة.
لكن تركيا بعد الحرب
وجدت نفسها اكثر قرباً من الاتحاد الاوربي،
وكان ابتعادها عن الموقف الامريكي من الحرب،
دافعاً لمزيد من خطوات الاصلاح السياسي
انسجاماً مع معايير "كوبنهاغن"، وهي تطمح لذلك
بأن تبدأ في نهاية العام 2004 او مطلع 2005
مفاوضات العضوية الكاملة مع الاتحاد الاوربي.
كما وجدت تركيا نفسها اكثر قرباً من أي وقت
مضى مع العالم العربي، ومع المزاج الشعبي
العربي، وانعكس ذلك تنسيقاً معقولاً مع بعض
الدول العربية ولا سيما سوريا. ولم تعدم الحرب
العراقية تأثيراتها على الداخل التركي حيث كان
لافتراق تركيا عن امريكا واقترابها من اوربا،
بسبب الحرب العراقية، دور في تشجيع الاصلاح
السياسي الداخلي وتراجع دور الجيش (نسبياً) في
الحياة السياسية.
***
قدم الدكتور محمد جواد
علي في نفس الجلسة تعقيبه على الورقة البحثية
"النتائج والداعيات تركيا"، ولاحظ انه فيما يخص
مخاوف تركيا من قيام كردي في شمال العراق، ان
القضية الكردية ليست جديدة، إذ كانت وما تزال
احد اكثر هواجس سياسة الدولة التركية منذ تشكيل
جمهوريتها.
ان قضايا الاكراد في
تركيا تشكل اهم مرتكزات وتوجهات السياسة
التركية. ستستمر في المستقبل المنظور ليس فقط في
سياق الضرب بالحديد والنار لأية حركة يبدونها،
بل تخوفها ايضاً من ظهور أي كيان كردي في دول
الجوار. ولما كان اكراد العراق قد دنوا اكثر من
مرة تأسيس كيان او شبه كيان، فإن خشية "انقرة"
منهم اعظم من خشيتها حيال اكراد ايران وسوريا
معاً، خصوصاً بعد ان احتل الامريكيون العراق على
اساس ان ذلك سيشجع اكراد تركيا اتباع نهج مماثل،
سيما وان "الاتحاد الاوربي"- حيث تلهث انقرة
للانضمام اليه- يطالبها باستمرار منح اكرادها
حقوقهم الانسانية والثقافية والقومية، بما في
ذلك حق التحدث باللغة الكردية علناً. رغم ان ذلك
كله لن يكون مانعاً امام اية قيادة تركية اتخاذ
اقسى الاجراءات اذا ما ظهر أي تمرد كردي يؤثر
على وحدة الاراضي التركية وشعبها من وجهة نظرهم.
بينما الاهتمام التركي
بموضوع تركمان العراق، ينصب على: كون "تركمان
العراق" جزء من الامة التركية.. شعور "تركمان
العراق"بانتمائهم القوي وكون "تركيا" الدولة
التركية الوحيدة في العالم التي يمكن ان يسندوا
ظهرهم عليها.. الاحساس التركي ان "ولاية الموصل"
التي كانت تضم "كركوك" حتى العام 1918 قد استحوذ
عليها البريطانيون غدراً.. لكن اسناد تركيا
لتركمان العراق في اكثر من مناسبة معلنة لم يكن
الا لأغراض اعلامية واستهلاك محلي.. محاولة
اثبات انها حامية للاقوام التركية اينما وجدوا،
وامكانية استثماره في ظروف العراق الحالية في
اكثر من منحى، بخاصة ايجاد نوع من التوازن
العرقي في الجزء الشمالي من العراق.
اما الدور التركي في
عراق المستقبل وفق المشاهد/ الاحتمالات الثلاثة
المطروحة، فيتلخص:
* في حالة بقاء الاحتلال
الامريكي للعراق وغياب سيادته واستقلاله لفترة
اخرى قادمة، وهو احتمال ضعيف، لن تستطيع تركيا
تحريك ساكن حياله، وقد تحاول: التعامل مع مجلس
الحكم بشكل او بآخر.. الوقوف بالضد من الطموحات
الكردية "الفيدرالية".. محاولة فرض توازن عرقي
بمناصرة "تركمان العراق" ازاء الكرد والعرب في
المناطق التي يتعايشون فيها.. وعند ملاءمة
الظروف يمكن ان تمارس تركيا سياسة التدخل بدعوى
حفظ الامن في العراق.
* في حالة نجاح المقاومة
العراقية وانسحاب قوات الاحتلال غير المشروط...
وهو ايضاً احتمال لا يبدو قائماً في المستقبل
المنظور.. فسيكون امام تركيا: الفرصة سانحة لها
للتعامل مع الحكومة العراقية الوطنية لأنها ذات
وجه حسن برفضها الدخول في الحرب ضد العراق.
مقابل ذلك سيسقط مطلب "كرد العراق" اقامة
فيدرالية، لتحالفهم مع سلطة الاحتلال، ويُتاح
لأنقرة احتمالات التفاهم لمنح حقوق اكبر لتركمان
العراق، وتطور المصالح المشتركة في ادامة نقل
النفط العراقي عبر انابيب النفط الى الموانئ
التركية.
* في حالة نقل السلطة الى حكومة
مرتبطة بالتحالف، ولا تمتلك استقلالية القرار
الوطني بعد الاتفاق على وجود قواعد عسكرية دائمة
في العراق، وهو احتمال اقرب الى الواقع.. من
المتوقع ان تتصرف تركيا في هذه الحالة على هذا
النحو: احتمال حصول تحالف على شكل تعاون ثنائي
عراقي- تركي ثكون واشنطن ثالثتهما لتمسك نهايات
الخيوط عملياً. وبذلك يمتد الجنوب الشرقي لحلف
NATO
لغاية مياه الخليج العربي.. امكانية حصول تركيا
على مكاسب عديدة مقابل خسارتها اموراً عديدة
اخرى، فهي لا تمسي قوة اقليمية كبرى، ما دامت
الولايات المتحدة اصبحت جارة متاخمة لها، وسوف
لا تستطيع التحكم بمياه دجلة والفرات وقطعها عن
"العراق" حليف "واشنطن" وقتما تشاء، بينما تغدو
قواعدها الست تحت السيطرة الامريكية- الاطلسية
غير ذات شأن كبير، ويصبح انبوب النفط العراقي-
التركي غير ذي اهمية ستراتيجية كبيرة ما دام نفط
العراق يصدر عن طريق الخليج العربي- المسيطر
عليه امريكياً- او الانابيب الاخرى المتاحة..
وهذا التوافق المحتمل ربما يتيح لـ "انقرة" ان
يكون لها صوتاً مسموعاً افضل حيال مسألة
"الفيدرالية الكردستانية" واوضاع "تركمان
العراق".. ( لكن هذه الاحتمالات يصعب فصلها
ايضاً عن مسار تطور العلاقة التركية-
الاسرائيلية، والدور التركي للترويج/الوساطة
بقبول اسرائيل كياناً اصيلاً في المنطقة.. كاتب
العرض).
***
التعقيب الثاني على ورقة
الدكتور محمد نور الدين قدمها الدكتور هيثم
الكيلاني, ولاحظ ان تركيا في جميع تحركاتها
ومواقفها تجاه احتلال العراق من قبل القوات
الامريكية، ركزت على تحقيق ثلاثة اهداف.. اولها
منع نشوء الدولة الكردية في شمال العراق، واصرت
على هذه الهدف في اتصالاتها الاقليمية: الدول
المجاورة للعراق بالاضافة الى مصر, وتجسد في
بيانات: اسطنبول (23/1/2203) والرياض
(18/4/2003) وطهران (28/5/2003) ودمشق
(2/11/2003)، حيث اكد وزراء خارجية الدول
المجاورة "رفضهم أي اجراء يمكن ان يؤدي الى
تجزئة العراق" و "احترامهم سيادة العراق
واستقلاله ووحدة اراضيه".
ان هذا يفسر التواجد
العسكري التركي في الشمال العراقي. وهناك توجه-
في حالة صدقيته- ايجاد ثلاث مناطق ذات حكم ذاتي
محدود احداها للاكراد في الشمال، وثانيها لاهل
السنة، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.. (وهو
امر مطروح منذ سنوات في سياق ايجاد بديل لعودة
اللاجئين الفلسطينيين الي ديارهم- كاتب العرض)..
واذا كان وزير الخارجية العراقي- وهو كردي- قد
نفى بعثرة العراق وتفكيكه، فإن سلطات الاحتلال
اكدت مراراً ان الفيدرالية لن تكون عرقية او
دينية او مذهبية او طائفية، وانما ستكون
جغرافية.
الهدف الثاني التركي هو
تجنب صورة الدولة الاستعمارية التي كانت عليها
في عهد الامبراطورية التركية. وقد برهنت الظروف
على صحة هذا التأكيد الذي تجسد في جانب منها في
نشوء المقاومة الوطنية العراقية الشعبية.
والهدف الثالث الذي ينفرد
الدكتور هيثم بالتطرق اليه، هو تركيز اسرائيل في
المنطقة. وهذا هو الهدف الاساس من الموقف التركي
بموافقة الإدارة الامريكية الحالية التي ترغب في
ان تتولى احدى دول المنطقة هذه المهمة. وبالرغم
من قدم العلاقة بين تركيا واسرائيل (1974) فإن
هذا الاعتراف تحول الى مستوى للتحالف الستراتيجي
منذ شباط/فبراير 1996 باشراف ودعم الولايات
المتحدة بهدف محاصرة اعداء اسرائيل: سوريا
والعراق وايران. كما ان الوساطة التركية ما بين
سوريا واسرائيل لاستئناف عملية التفاوض توحي بأن
تركيا تسعى الى تركيز اسرائيل كدولة اصيلة في
منطقة الشرق الاوسط وليست دخيلة.
***
وفي نفس جلسة بعد الظهر
الاولى (9/3) تم تقديم البحث التاسع: النتائج
والتداعيات ايرانياً- الدكتور طلال عتريس.
لم تكن إيران من بين دول
العالم الكثيرة خصوصاً في منطقة الشرق الاوسط
التي سعت للالتحاق بالسياسات الامريكية بعد
انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي.
استمرت ايران على اعلان عدائها للولايات المتحدة
والتنديد الرسمي بسياستها منذ انتصار الثورة
وبعد انتهاء الحرب الباردة وبعد الحادي عشر من
ايلول/سبتمبر. لكنها في الوقت نفسه كانت تبذل
جهوداً كبيرة مضنية ومكلفة باتجاهين: اولهما
ايجاد البدائل السياسية والاقتصادية والتسليحية
التي تحد من اثر هذا الاختلال الدولي على امنها
الداخلي وعلى دورها وموقعها في ظل الحصار
والاحتواء الامريكي لها.. وثانيهما تجنب
المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وتجنب أي
حرب اقليمية يمكن ان تتورط فيها خاصة بعد كارثة
الحرب العراقية- الايرانية.
ولا تعني تلك السياسة من
"عدم التكيف" عدم وجود اتجاه آخر داخل ايران يرى
على النقيض من ذلك ان مصلحة ايران تكمن في
الاستئناف المباشر للعلاقات الشاملة مع الولايات
المتحدة التي تمتلك المفاتيح السياسية
والاقتصادية في العالم. ويرى ان كل مشاكل ايران
سببها هذه القطيعة مع الولايات المتحدة، من جهة،
ومواقف ايران من عملية السلام في الشرق الاوسط
من جهة ثانية.
كما حاولت ايران في اطار
ستراتيجية "عدم التكيف" مع الهيمنة الامريكية ان
تبحث في توثيق العلاقة مع دول الاتحاد الاوربي
وتعزيز التواصل مع الصين والهند وروسيا، الا ان
هذه العلاقات لم تتحول الى ما كانت تطمح اليه
ايران، لأن اياً من تلك الدول لا تستطيع ان تذهب
بعيداً في تعريض مصالحها للخطر مع الولايات
المتحدة.
وفي سياق جوهر النقاش
الداخلي الايراني بشأن "حفظ المصالح القومية" في
مواجهة الحرب الامريكية على افغانستان لغاية
الحرب على العراق، تكرر سؤالان: هل من مصلحة
ايران التصادم مع القوة الامريكية المهاجمة؟ وهل
من مصلحة ايران الدفاع عن القوة التي تتعرض
للهجوم والوقوف الى جانبها بغض النظر عن
السياسات السابقة لهذه القوة تجاه ايران
بالمقارنة مع المخاطر المستقبلية التي ستنجم عن
الاقتراب الامريكي من الحدود الايرانية؟ ولتصوغ
الاجابات عن هذه الاسئلة، السلوك السياسي
الخارجي الايراني، على النحو التالي:
1- لا مصلحة لإيران في المواجهة
مع الولايات المتحدة.
2- ليس باستطاعة ايران ان تمنع
الحرب على الدولة المجاورة (ولا في الانضمام الى
القوة المستهدفة).
3- من مصلحة ايران (اذا كان ذلك
سيحصل) التخلص من نظام شكل (ولا يزال) تهديداً
لأمنها القومي. وهذا ما اطلق عليه ايران (الحياد
الايجابي) في مواجهة الحرب على افغانستان
والعراق.
4- والقضية الرابعة التي تشكل
محصلة الاجابات الثلاث السابقة، هي ان ايران
تعمل على عدم قيام نظام جديد معاد لها بعد سقوط
النظام القديم، وايجاد مواقع نفوذ لها في النظام
الجديد (سياسية واقتصادية وثقافية).
يُفسر احدهم هذه
الاستجابات المتعددة في سياسة ايران الخارجية
بأربع ستراتيجيات: (1) ستراتيجية التبني
Adaptive Strategy،
ويقصد بها الالتزام بالاعراف والشرعية الدولية
(كما في التزام ايران بالعقوبات التي فرضت على
العراق بعد غزو الكويت)..(2) ستراتيجية التحفيز
الذاتي
Self-Motivation Strategy،
وتهدف الى تأكيد دور ايران الاقليمي في المعادلة
الاسيوية والخليجية والعربية (المشاركة في
الترتيبات الامنية)..(3) ستراتيجية المساومات
The Bargaining Stategy،
وتبغي تحقيق اعلى درجة من المنفعة من خلال
المناورة والدبلوماسية..(4) ستراتيجية التصلب
Intransigent Strategy،
وبها تظهر ايران استقلالها عن الولايات المتحدة
من خلال التأكيد على قوتها الاقليمية، وعلى
المبادئ الرئيسة للثورة.
يقول الامين العام للمجلس
الاعلى للامن القومي الايراني حسن روحاني في
معرض تحليله للستراتيجية الايرانية ازاء
التهديدات الامريكية: "اننا لا نملك ازاء تلك
التهديدات سوى ستراتيجيتين: اولهما ان نظهر
اللين والمرونة تجاه الولايات المتحدة وان نبدأ
في التقهقر خطوة جطوة، وينتهي بنا الامر الى
تركيع الجمهورية الاسلامية امام الولايات
المتحدة لغاية تغيير ماهية النظام واستقلاله..
وثانيتهما هي ستراتيجية المقاومة والصمود في وجه
الولايات المتحدة وافضل آلية في ستراتيجية
المقاومة هي الردع. ولهذه الستراتيجية جوانب
عديدة يجب اخذها في الاعتبار جميعاً والربط
بينها واهم هذه الجوانب هو: ان نتحد ونتفق فيما
بيننا، وان نعترف جميعاً بمحورية زعامة الثورة،
وان تنحي جميع التيارات خلافاتها جانباً.. وان
ندرك ان ثقل قوتنا يكمن في وحدتنا الداخلية".
بينما يرى التيار الاصلاحي في الردع "تعظيم
المشاركة السياسية وخلق صلات فعالة بين جموع
الجماهير والمجتمع السياسي.. وحركة سياسية جديدة
تتعهد باشباع الحاجات السياسية للاجيال الشابة..
وان يكون احد اهداف هذه الحركة تطبيع العلاقات
مع الولايات المتحدة لأن السياسة الايرانية
الراهنة التي تستعدي الولايات المتحدة تخدم في
واشنطن الصقور المؤيدين لاسرائيل".
وهكذا ستلجأ ايران الى "ستراتيجية
الردع" و "تفويت الفرص" على الولايات المتحدة
بعد سقوط العراق. لأن الانتصار السريع وغير
المكلف الذي تحقق في العراق سمح للإدارة
الامريكية اطلاق التهديدات المباشرة ضد سوريا
وايران بعد ايام قليلة على احتلال العراق،
ولتتعرض ايران الى نوعين من الضغوط: اولهما
داخلي بتحريض الشارع الايراني ومحاولة اثارة
التناقض بين المحافظين والاصلاحيين.. وثانيهما
الضغط الخارجي بالتركيز على قضية امتلاك ايران
للسلاح النووي، وهي الذريعة نفسها التي بدأت بها
الولايات المتحدة التحريض ثم الحرب على العراق.
لقد نجحت ايران في "تفويت
الفرصة" على الولايات المتحدة. فلم يهتز
استقرارها الداخلي، ولا مكانتها الاقليمية ولا
علاقاتها مع اوربا وروسيا. ولعلّ التصعيد
الامريكي ضد ايران ومحاولات تطويقها واشغالها
بملفاتها الداخلية والنووية هو منعها او "ردعها"
عن أي محاولة للتدخل المباشر في الشأن العراقي.
ومهما قيل عن حجم "المكاسب
الستراتيجية" التي حصلت عليها ايران فباتت القوة
الاقايمية الابرز ومن دون منافس بعد غياب القوة
العراقية، بالاضافة الى علاقاتها الايجابية مع
"مجلس الحكم" ومع كل الاطراف العراقية، الى
علاقاتها الخاصة التي تتفاوتت من حيث التأثير مع
الشيعة الذين لم يتعاونوا مع الاحتلال، خلافاً
لما اعتقدته واشنطن، فإن تلك المكاسب الموضوعية،
لا تحقق لإيران "الاطمئنان" الستراتيجي.
ونظراً لـ "الكابوس
اللوجستي" الذي يمنع الولايات المتحدة من
التفكير في غزو ايران واحتلالها، فعدد سكانها
ثلاثة اضعاف سكان العراق ومساحتها اربعة اضعاف
مساحته، وتضاريسها صعبة وسكانها عموماً يلتفون
حول النظام في وجه التهديدات الامريكية.. فهنا
المطلوب امريكياً ان لا تتمكن ايران من تشكيل أي
تهديد، وان يتواصل احتواؤها رغم "اشارات"
الانفتاح التي تبدو ذات مغزى بالنسبة الى الداخل
الايراني اكثر مما تنم عن ستراتيجية تطبيع
للعلاقة مع ايران.
وفي ظل الاوضاع الدولية
والاقليمية الراهنة، ومع ترجيح استمرار الاحتلال
مع "تعيين" حكومة موسعة لإدارة شؤون العراق تحت
الوصاية الامريكية، ستتجه ايران الى التعامل مع
"الواقع" الجديد في شؤون العراق، وستفعل باقي
دول المنطقة ذلك ايضاً. لكن مع ذلك سيبقى العراق
ساحة مواجهة مفتوحة داخلياً واقليمياً.
ومن المفترض ان تعمل ايران
في هذه "الساحة" وخصوصاً مع دول الجوار العراقي
لتشكيل "مرجعية اقليمية" لحماية وحدة العراق،
وتطويق أي مشروع لفتنة داخلية تتغذى من اختراقات
عدة (بما فيها الاسرائيلية) ولتعزيز دور الامم
المتحدة بأي سبيل من السبل.. وحتى لا يشعر
الامريكي، على الرغم من اختلال ميزان القوى
لمصلحته، بالاطمئنان في هذه "الساحة" او بأنه
اللاعب الوحيد فيها.
***
قدمت الدكتورة نيفين مسعد،
في تعقيبها على الورقة البحثية "النتائج
والتداعيات ايرانياً"، ثلاث ملاحظات تتعلق بـ:
الاطار الفكري للورقة.. الزاية التي عالج بها
الباحث موضوعه داخل هذا الاطار.. وبعض المصطلحات
التي وظفها الباحث للتعبير عن رأيه والتي تثير
بعض تساؤلات تحتاج الى تفسير.
بخصوص الاطار الفكري،
تنطلق الورقة من منطلق آيديولوجي، اساسه التأكيد
على ان مختلف دول العالم- عدا ايران- لجأت الى
التكيف التام مع مستجدات الموقف الدولي بعد
انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات
المتحدة بزعامة العالم. وهذه مسألة يمكن
الاحتلاف بشأنها، ذلك ان فترة انهيار الاتحاذ
السوفيتي كانت هي نفسها الفترة التي صعدت فيها
قيادة براغماتية الى سدة الحكم في ايران (رفسنجاني).
تأكد هذا المنحى اكثر باعتلاء الخاتمي رئاسة
ايران واستهلال حكمه بخطاب ودي مفتوح للشعب
الامريكي. كما ان قرار الحياد الايراني في الحرب
على العراق لم يكن "تمرداً" ولم يمثل ازعاجاً
للولايات المتحدة بل انصب في مصلحتها من خلال
تحييد احد المصادر المحتملة لإطالة امد مقاومة
النظام العراقي. مسألة اخرى سماها الباحث في وصف
الستراتيجية الايرانية تجاه الولايات المتحدة بـ
"ستراتيجية الردع". ان احتواء الولايات المتحدة
بالحوار لا يمثل ردعاً باليقين. كما ان سعي
ايران امتلاك التكنولوجيا النووية مع ما واجهتها
من مصاعب جمّة لا تعني، وهي في مرحلة المحاولة،
كونها تشكل دور الردع العسكري.
هناك حاجة للتميز بين
امرين في هذا المجال: اولهما ان ايران لم تشذ عن
غيرها من الدول في التكيف مع واقع ما بعد الحرب
الباردة وبشكل اوضح ما بعد احداث 11/9 بما يعنيه
ذلك من تطويع الايديولوجيا للمصلحة الوطنية
العالية.. ثانيهما ان ايران تصرفت بذكاء على
خلاف العديد من الدول الاخرى، فأدانت- كما فعل
غيرها- العدوان على العراق، ثم قبلت- كما قبل
غيرها- بالامر الواقع، فشاركت في مؤتمر مدريد
للدول المانحة واعترفت بمجلس الحكم الانتقالي
المنبثق عن الاحتلال ومدّت جسور الاتصال في
الوقت نفسه مع القوى الاخرى الفاعلة على الساحة
العراقية. وتراجعت في الملف النووي كما- تراجع
غيرها- فقبلت بتوقع البروتوكول النهائي للتفتيش
المفاجئ على مواقعها وجمدت عمليات تخصيب
اليورانيوم، وفي الوقت نفسه حالت دون اقتيادها
لمصير العراق وضمنت الدعم الدولي، والاوربي بوجه
خاص، لمطلبها في تطوير تكنولوجيتها النووية
المخصصة للاغراض السلمية.
وبالنسبة الى الزاوية التي
عالج بها موضوعه داخل هذا الاطار، ركز الباحث
على التفاعل الامريكي- الايراني، وبذلك دخل في
موضوعات تخرج عن صميم هدف الندوة (افغانستان)،
وفي المقابل ترك العديد من القضايا الجوهرية
التي كان من المفترض التعرض لها لكونها شديدة
المساس بأمن ايران واستقرارها، تتقدمها: القضايا
المتعلقة بشكل نظام الحكم (ديمقراطي/ علماني ام
ديمقراطي/ اسلامي).. طبيعة الدولة (بسيطة ام
فيدرالية).. توازنات القوة بين الجماعات الاثنية
المختلفة، بخاصة: السنة والشيعة، دور المرجعية
الشيعية في النجف وعلاقتها بنظيرتها في قم،
مستقبل اكراد العراق ودلالته بالنسبة لاكراد
ايران.. تداعيات احتلال العراق على مستقبل
الجمهورية الاسلامية.. موضوع التغلغل الاسرائيلي
داخل المجتمع العراقي.. وهكذا تجنبت الورقة
الدخول في كثير من التفاصيل الشائكة بطبيعتها
ولكنها تفاصيل لا يمكن وضع تصور لحجم التحديات
التي نجمت عن سقوط بغداد (9/4/2003) وفرضت نفسها
على ايران من دون اخذها في الاعتبار.
تتعلق المسألة الاخيرة
ببعض المصطلحات التي استخدمها الدكتور عتريس مثل
مصطلح الامن القومي "المذهبي" وهو مصطح لا اساس
له نظرياً، لأن الامن القومي يخص الجماعة
الوطنية بمختلف اطيافها.. والمصطلح الآخر هو
"السياسة الخارجية"
Foreign Policy
بمعنى "الاهداف والسياسات المعلنة تجاه القضايا
العالمية والبيئة الدولية" كمقابل لمصطلح
"السلوك الخارجي" الذي استخدمه الباحث في ترجمته
لنفس المصطلح بمعنى "الممارسة العملية في علاقة
الدولة بالبيئة الخارجية المحيطة بها". ومثل هذا
التميز الذي مارسه الباحث ليس له اساس نظري
يسنده، لأن السياسة الخارجية بحكم تعريفها هي
نوع من السلوك الخارجي والممارسة السياسية.
*** |